شروط التوظيف الحديثة... نظام إنساني أم فرعوني؟!

07 يونيو 2020
+ الخط -
تتطور البشرية بوتيرة سريعة، ليتبدل معها وجه الحياة من أسلوب عيش وتعليم وعمل وحتى طريقة تفكير، بعد ظهور الآلة حطّت التكنولوجيا رحالها في عالمنا، تبعتها الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، ثم عالم المعلومات والنانو الشائك، وفي ظل الثورة الكبيرة والتخمة بالمعلومات والحداثة نرى أن قضايا حقوق الإنسان حاضرة دائماً على طاولة المحادثات العالمية، وما أكثر المنادين والمنظرين والجمعيات التي تحمل راية الإنسان والإنسانية، من حقوق الطفل حتى المسن مروراً بالمرأة.. ولكن هل يرى العالم الحالة اللامنطقية واللاإنسانية التي انحدرت إليها بيئة العمل وظروفه؟

لعلني لست الوحيدة التي أثارت هذا الموضوع ولن أكون الأخيرة وسنظل نكتب ما امتلكنا من قوة أحرف وكلمات، لقد بلغ السيل الزبى، وبات الإنسان في أدنى سلّم الحياة لا يساوي عملة نقدية أو ورقة بحبر، إنه الوضع المأساوي الذي وصلت إليه الوظائف بشتى أنواعها، ولا أحد يحرك ساكناً، متناسين أنها مصدر الرزق والعيش للأسر وليست بيئة للتدمير والإذلال، وباعتقادي من المعيب جداً أن نخوض نقاشاً كهذا في عصر المعلومات والذرة والفضاء!

الواقع أننا نعيش تقدماً وتطوراً في المادة، ولكن هناك تراجعاً وانحداراً في النفوس والأخلاق، فمن يلقي نظرة على شروط الوظائف والتوظيف في عالمنا العربي خصوصاً، يدرك أننا وصلنا إلى ما قبل التاريخ، أو ربما قام فرعون من قبره وأهداهم شروط العمل القاسية التي حولت الإنسان إلى عبد أو توظفه بالسخرة، والأمثلة حدّث ولا حرج! ساعات عمل طويل منها ما يتعدى العشر ساعات في أغلب الوظائف.

باتت الإجازات ثقيلة على مسامع المديرين، فمنهم من يقترح إلغاء الإجازة الأسبوعية بالفترة الأولى، ثم اختيار يوم بالأسبوع مناسب أو متغير. مرتب وضيع جداً لا يكفي حتى منتصف الشهر، وبعض الوظائف - وربما القارئ يسأل نفسه عنها الآن - من يحمل عمله معه إلى المنزل ليسهر على إنجازه طول الليل، ولا يجب نسيان ذلك الموظف المسكين الذي يعمل بوظيفة ثلاثة وأربعة موظفين ويتقاضى مرتباً واحداً، والجميع مدرك لهذا.


"عذرا سيدي إن لم يعجبك غادر، هناك ألف غيرك يتمنى هذا الإذلال.. أقصد الوظيفة"! إنها الجملة الشهيرة التي تزلزل مسامعنا وكرامتنا في أروقة العمل المتحضرة التي تصدح بكل ألوان الحداثة. وان لم تتوال على مسامعك ستخبرها لنفسك من تلقاء نفسك، لأنك اعتدت على هذه البيئة الملوثة من انعدام الأخلاق والذل.

ومن الموضوع الأخلاقي إلى المادي والذي تفننت المؤسسات وأرباب العمل في ابتكاره؛ وهو ما كلفهم كثيراً - والحق يقال - من التفكير! ولكن حسنا، الموضوع يستحق، فأمر الموظف صار في يده، وكرامته، وأحلامه، بات يتحكم فيها. فهو يملك مفاتيح اللعبة، والأمر يستحق.. من توفير المال أو دعنا نقولها بوضوح السرقة بوجهها الحضاري.

بداية السياسة المالية الرديئة بدأت بنظام القطعة أو الساعة، يعني إعفاء الموظف من كل امتيازاته الوظيفية. يداوم ساعاته المعهودة ويتلقى أجراً على الساعة، لكن في الإجازات والعطل والأزمات والحالات الاستثنائية وربما في أشهر الصيف الطويلة لا يحصل على مال، أو علاوة أو أي نوع من تأمين الطبابة ويستمر الوضع على ما هو عليه لسنوات وعقود والموظف يتأمل. ولهذا النظام المؤذي آثاره النفسية الكبيرة على الموظف، فضلاً عن كرهه للعمل وأصحابه ومكانه وسيرته.. لنكن صريحين!

أصحاب القطعة أو الساعة "المتعثرون الحظ" وهم في الحقيقة كثر، ومنهم الموظف الثابت، أيضا أصبح يتقاضى أجراً ليس شهرياً! فبعد توقيع العقد على أجر شهري، باتوا يتأخرون شهرا أو شهرين أو ثلاثة أو ستة حتى تصل إلى سنوي وأكثر.. متناسين أن الموظف هو كائن حي يأكل ويشرب وغير مجبور على الاستدانة، أو يعمل بوظيفة ثانية أو ثالثة ليطعم أطفاله أو يشتري قوت يومه، وليس مجبوراً أن ترمي به هذه الظروف إلى مجاهل البحر باحثاً عن بقعة أرضية يسود فيها قليل من الرحمة والعدل.

طبعا ليس عليّ إغفال شروط الكفاءة المطلوبة من خبرة السنين والشهادات العالية واللغات وربما تحتاج إلى شهادات أعلى وشهادة ثانية، لأنك تضطر لأن تعمل عمل موظف ثانٍ، ربما بغير اختصاص وببيئة عمل شديدة الصعوبة، ولولا الخجل لكتبوا "نحتاج لقوة وهمة سوبر مان وعبقرية أينشتاين وجمال كلوديا شفر وصبر أيوب، وبالطبع عليه أن يملك مالاً فربما يصرف على الشركة من ماله، كإجباره المشاركة في فاتورة المياه والكهرباء والتبرعات والكرسي والدهان والهواء الذي يتنفسه على أرض العمل".

لو أردت سرد أمثلة أخرى ربما أحتاج إلى مجلدات ومدونات وصفحات كثيرة.. ومن يرى في كلامي مبالغة فهو إما يعيش بعالم الأحلام أو مهاجر إلى ما وراء البحار والأنهار، يعني "أحد الضحايا".

كان النظام الفرعوني قديما وفي غيره من العصور الدكتاتورية المظلمة يسخر العبيد (الموظفين) للعمل تحت سطوة "الكرباج" والشمس الحارقة، ربما لقاء قليل من الماء والطعام، يموت الكثير منهم، إنه فرعون القائل "أنا ربكم الأعلى" وهو اليوم وبعد آلاف السنين قابع في المتحف المصري مذلولاً مذموماً مشوهاً عبرة ومثلاً، ولكن هل هناك من يعتبر حقاً؟

فما أشبه واقعنا بفرعون، والبعض لا يمانع أن يصل إلى حد ظلمه فكل الظروف مواتية ومتوفرة؛ مال، وسلطة، موظف هانت نفسه، يعصره فكرياً ونفسياً ويستنزفه بكل الوسائل والظروف، وكأنه يملكه ويستعبده ولم لا؟ ومن قال إن الموظف لا يموت فهو في قرارة نفسه يتمنى الموت ألف مرة، نفسه تموت، طموحه، سعادته، كل ما يحمله البشري من صفات تموت بعضها، ليصبح آلة لا تشعر بالمذلة ولا بالتعب ولا بالغضب. إنه حديد صدئ يعد أيامه كي تنتهي، وإن انتهت هذه الأيام تكمن المفاجأة الدارجة اليوم في عدم التعويض!

يلوون ذراع الموظف لرعايته عائلة وأولاده ولمصاريفه، ولكي يكتمل المشهد يظهر هذا المدير الذي يعاني من مرض الكرسي والعظمة وأمراض أخرى حديثة لا أقوى على فهمها حقيقة، ليبادر الموظف بنظراته غير الراضية وكلماته المهينة، إلا من رحم ربي.

ولكن عزيزي المستنزف لطاقة هذا الإنسان.. رب العمل، مؤسسة، أو حتى دولة، لماذا لا نخرج من تقمصنا لفرعون قليلاً؟ وننزل إلى واقع أكثر إنسانية ورحمة؟ أنا لا أدعو للتعاطف والكرم فأنتم لستم مؤسسة خيرية.. ولكن أنا أطالب من منبري هذا بقليل من العدل والإنصاف! أن يأخذ كل موظف أجره بحق وتعبه بحق! العدل وليس أكثر، ولكن ما الذي ستخسره لو بادرته بكلمة طيبة مشجعة؟ ماذا لو هيّأتم أجواء عمل مريحة نفسية ومعنوية؟ أعتقد هي التجارة الأربح أمام الله والمجتمع ونفسك. ولسوف يبادر الموظف من تلقاء نفسه بمزيد من العطاء لو شعر بأنه في بيته وبين عائلة تقدر جهوده.

الوظيفة تمثل الموظف، هي جزء من كيانه وشخصيته بل هي حياته، ليس من مصلحته أن يضيعها أو يستهتر بها.. فلا داعي إلى أن نحولها إلى جحيم وزمهرير، ليس علينا أن نقتل الإنسان ونبقي على بعض أموال؟! الضمير يجب أن يكون حاضراً لكل من الموظف وصاحب العمل وعلى شروط الوظيفة أن تكون أكثر واقعية من دون إذلال أو قسوة.

الحق وأعيدها وأكررها الحق.. لكي يدوم العمل وينجح بعيداً عن أجواء الإرهاب والفرعنة فنهايتها واضحة للجميع، وها هو فرعون ينتظر كل من سار على دربه ولم يعتبر.

يقول روبرت ليفرينغ، الشريك المؤسس لمعهد "جريت بليس تو وورك"، مكان العمل الرائع هو المكان الذي تشعر فيه بالثقة بالجهة التي تعمل لديها، وتشعر بالفخر بما تقوم به، ويسعدك العمل مع الأشخاص الذين تعمل معهم.

ويعتمد الباحثون، ورواد الأعمال، والمحللون الإعلاميون والجمهور على القياسات التي يضعها معهد "جريت بليس تو وورك" في إيجاد معيار محدد لماهية مكان العمل الرائع، ويستند البحث السنوي الذي يجريه معهد جريت بليس تو وورك إلى بيانات تمثل أكثر من 10 ملايين موظف من آلاف الشركات المتفاوتة في أحجامها، ومجالات تخصصها، ومستويات نضجها وهياكلها في أكثر من 90 دولة.

فأين نحن من هذا التعريف وهذه الدراسات الحديثة؟ ومتى سندرك أهمية مكان العمل الرائع ونسعى إليه. لنبحث عن الإنسان قليلاً ونتناسى وحش المادة المدمر للحياة.