شروط إيرانية بسقف مرتفع لمفاوضة واشنطن

13 مايو 2019
الصورة
من تظاهرات ضد الولايات المتحدة في طهران (فرانس برس)
على قاعدة أن الولايات المتحدة، والرئيس دونالد ترامب على وجه التحديد، لا يرغب بتفاوض حقيقي، تتشبث طهران بموقفها رفض التفاوض حالياً مع واشنطن، مع عدم إغلاقها الباب أمام هذه العملية مستقبلاً وحديثها عن أن واشنطن ستضطر إلى طرح التفاوض معها بشكل أكثر جدية خلال المرحلة المقبلة. يأتي ذلك في موازاة رفع نبرة التهديدات الإيرانية، وتلويحها باستهداف القطعات الحربية الأميركية في مياه الخليج. وتنطلق طهران من موقف قائم على رفض الدخول في مفاوضات ستكون خاسرة فيها، في ظل شروط واشنطن للتفاوض والتي تطاول البرنامج الصاروخي لطهران في المنطقة، وبالتالي تبدو الأخيرة بانتظار مبادرة أميركية، فـ"إذا دعت الحاجة، الأميركيون لديهم أرقام هواتفنا" بحسب تعبير مسؤول إيراني أمس، وذلك في ظل رهان إيران على أن الضغوط الأميركية مجرد "حرب نفسية" ولن تتطور إلى مواجهة عسكرية.

وتطرح طهران جملة شروط للدخول في أي تفاوض محتمل مع واشنطن، تتمثل في ثلاثة، هي "التراجع عن الضغوط"، وهنا المقصود بالدرجة الأولى العقوبات الاقتصادية التي تثقل كاهل الاقتصاد الإيراني، وتقديم الاعتذار عن "التصرفات غير الشرعية"، و"الاحترام المتبادل". أما الدوافع من وراء الشروط الإيرانية، فأولها أنها تأتي في سياق "المناكفة" في مواجهة "الشروط التعجيزية الأميركية" التي تعتبرها طهران "غير قابلة للتطبيق"، وهي تتعلق بتخليها عن برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي ووقف تخصيب اليورانيوم. والدافع الثاني أن تقول طهران للعالم إنها لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، إذ كانت قد دخلت في مفاوضات مع الإدارة الأميركية السابقة. والدافع الثالث أن الجانب الإيراني يرى أن الطرف الأميركي، على الرغم من دعواته "المتكررة" للتفاوض، إلا أنه لا يريد ذلك، وخصوصاً في ظل سيطرة متشددين على مراكز صناعة القرار الأميركي، وبالتالي لا تأخذ طهران دعوات ترامب للتفاوض على محمل الجد.

وواصل المسؤولون الإيرانيون أمس الأحد تصعيد نبرتهم تجاه واشنطن. وهدّد قائد القوات الجوية في الحرس الثوري، أمير علي حاجي زاده، الولايات المتحدة باستهداف حاملة طائراتها "أبراهام لنكولن" في منطقة الخليج. وقال في تصريح نقلته وكالة "إسنا"، إن حاملة الطائرات كانت تشكل تهديداً في السابق بالنسبة لإيران، أما اليوم فهي مستهدفة، قائلاً "وضع الأميركيين، مثل قطع اللحم التي بين أسناننا". وأعلن أن القوات الإيرانية سترد على أي تحرك من قبل الأميركيين، متابعاً "كانوا في السابق خطراً علينا، والآن هم بمثابة الفرصة". وذكر أن بلاده تمتلك صواريخ قادرة على قصف سفينة على بعد 300 كيلومتر، وأن مدى هذه الصواريخ ارتفع إلى 700 كيلومتر من خلال إجراءات اتخذوها أخيراً.

في السياق نفسه، قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، إن بلاده بإمكانها "استهداف أهداف على مسافة ألفي كيلومتر في إطار الدفاع عن نفسها، وفي حال أرادت حاملات الطائرات الأميركية القيام بشيء، فهي تبعد عن إيران 500 كيلومتر". ورأى فلاحت بيشه، بعد اجتماع مغلق للبرلمان الإيراني أمس مع القائد العام للحرس الثوري الإيراني، الجنرال حسين سلامي، وفقاً لوكالة "فارس" الإيرانية، أن "حرباً لن تحدث مع إيران قط لعلم الأميركيين عدم إمكانية ذلك"، واصفاً ما يجري حالياً بـ"حرب نفسية لإضافتها إلى العقوبات والضغوط الاقتصادية".

وفي ما يتعلق بإمكانية دخول بلاده في تفاوض مع الإدارة الأميركية، قال فلاحت بيشه إن "التفاوض له ظروفه الخاصة، وإيران بعد الثورة الإسلامية قد دخلت مرة واحدة بشكل جاد في المفاوضات بشأن الاتفاق النووي"، مؤكداً أنه "تقرر أن تكون نتيجة هذه المفاوضات على قاعدة ربح ـ ربح، لكن لم يتحقق ذلك". وأكد أن طهران "لن تدخل مفاوضات نتيجتها ربح-خسارة (لها)" لافتاً إلى أن البيت الأبيض "أظهر أن سياسته ليست التفاوض في الوقت الراهن". وأضاف "في حال توفرت ظروف للتفاوض فعلى الأميركيين التراجع عن بعض سياساتهم"، مشيراً إلى أن واشنطن "ستضطر إلى طرح التفاوض مع طهران بشكل أكثر جدية خلال المرحلة المقبلة"، وذلك تعليقاً على دعوات أطلقها أخيراً ترامب لإيران لإجراء مفاوضات. وأكد أن "أحداً من إيران لن يتصل بترامب"، قائلاً إن إيران "تختلف عن بقية الدول مثل كوريا الشمالية". كما نقل فلاحت بيشه عن سلامي، تأكيده "أن إيران لديها استعداد كافٍ للحرب لدرجة يمكنها أن تنتصر فيها".


وفي الإطار نفسه، قال مساعد الشؤون السياسية للخارجية الإيرانية، عباس عراقجي، إنه "إذا دعت الحاجة، فهم (الأميركيون) لديهم أرقام هواتفنا"، معتبراً أن ترامب يسعى للخروج من "صعوبات وأزمة أحدثها لنفسه، وأميركا ليست بحاجة إلى وسيط أو رقم هاتف"، وذلك تعليقاً على ما كشفته قناة "سي إن إن" السبت عن أن ترامب مرر رقماً للسلطات السويسرية لإعطائه للإيرانيين في حال أرادوا التواصل معه. واعتبر عراقجي، في مقابلة مع نادي "المراسلين الشباب"، أن رسائل متناقضة تُسمع من البيت الأبيض"، لافتاً إلى أن الأخير "يفتقد لسياسة منسجمة وعقلانية تجاه إيران والمنطقة وربما العالم".

في السياق، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، عبر "تويتر" أمس الأحد، إن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون وضع خططاً لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وانتهاج سياسات أكثر عدائية حيال طهران، حتى من قبل توليه المنصب الحالي. وتابع "مخطط مفصل لمعلومات مخابراتية كاذبة، وحرب لا تنتهي، وعروض غير جادة لإجراء محادثات... ما ينقصه هو أرقام الهواتف فحسب".

في موازاة ذلك، دخل وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز على الخط، محذراً من هجمات إيرانية مباشرة أو بالوكالة على إسرائيل إذا تصاعدت المواجهة بين طهران وواشنطن. وقال في حديث تلفزيوني "إذا اشتعلت الأوضاع بشكل ما بين إيران والولايات المتحدة، أو بين إيران وجيرانها، فأنا لا أستبعد أن يؤدي ذلك إلى تفعيل دور حزب الله والجهاد الإسلامي من غزة أو حتى أن يحاولوا إطلاق صواريخ من إيران على دولة إسرائيل".

أمام الواقع القائم، يُستبعد حصول أي مفاوضات أميركية إيرانية في الوقت الراهن، انطلاقاً من رفض طهران أي تفاوض "تحت الضغط". وكان المرشد الإيراني علي خامنئي، قد أعلن في أغسطس/آب 2018، "حظر أي تفاوض في أي مستوى مع الإدارة الأميركية في الظروف الراهنة". ويُستشف من تحليلات وتصريحات إيرانية، أن كل ما يريده ترامب في الوقت الراهن من الجلوس مع الإيرانيين، هو التقاط صور إعلامية معهم فحسب، وليس إجراء تفاوض حقيقي، وذلك ليظهر نفسه بمظهر الرابح المنتصر وإيران بمظهر الراضخ. إلى ذلك، فإن المشكلة التي تواجهها طهران في الدخول في أي مفاوضات مع واشنطن، أنها أمام رئيس أميركي لا يؤمن بـ"الخطوط السرية والخلفية" من وراء الكواليس.