شروط إسرائيل التعجيزية: تصفية مبكرة لصفقة القرن

22 نوفمبر 2017
الصورة
تل أبيب لا تخشى ردة الفعل الأميركية(عصام ريماوي/ الأناضول)
+ الخط -
قلص إعلان أوساط إسرائيلية شروط دولة الاحتلال الأربعة لقبول أية مبادرة تتقدم بها إدارة الرئيس دونالد ترامب لحل الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، هامش المناورة أمام الولايات المتحدة، إلى جانب أنه أحرج الأطراف العربية، التي تراهن واشنطن على دورها في تسويق المبادرة العتيدة، وعلى رأسها السعودية.

وحسب التصريحات التي أدلت بها أمس نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي الليكودية تسيفي حوطبيلي لراديو "عروتس شيفع"، (يمثل التيار الديني الصهيوني)، الذي تنتمي إليه، فإن أية مبادرة لحل الصراع يجب أن تتضمن الشروط التالية: "لا سيادة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن غير السيادة الإسرائيلية، عدم تفكيك أية مستوطنة من المستوطنات اليهودية المقامة في الضفة الغربية، القدس كمدينة موحدة ستظل عاصمة إسرائيل الأبدية، وعدم السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين".

ومن الواضح أن أي مبادرة لحل الصراع تتبنى الشروط الإسرائيلية تستبعد بالضرورة فكرة تدشين دولة فلسطينية، فالإصرار على أن تكون إسرائيل فقط هي الطرف صاحب السيادة في الضفة الغربية يعني أن الكيان الفلسطيني الذي سينشأ نتاج تسوية تقوم على أساس هذه المبادرة سيتمتع بحكم ذاتي، تنحصر صلاحياته في إدارة شؤون الفلسطينيين الحياتية، على وجه الخصوص في المناطق التي تتمتع فيها السلطة الفلسطينية حالياً بالصلاحيات المدنية والأمنية.

وهذه المناطق مصنفة (أ) و(ب)، حسب اتفاقية أوسلو، والتي تقل عن 40% من مساحة الضفة الغربية، وذلك في الوقت الذي ستواصل إسرائيل التمتع بحرية التصرف في مناطق (ج)، التي تشكل أكثر من 60% من الضفة، والتي تتركز فيها كل المستوطنات اليهودية في الضفة، إلى جانب أنها تضم ما يوصف في تل أبيب بـ"الفضاء الحيوي" للدفاع عن العمق الإسرائيلي، لا سيما منطقة غور الأردن.

إلى جانب ذلك، فإن الشروط الإسرائيلية، تعني أن الصلاحيات الأمنية التي يتمتع بها الكيان الفلسطيني العتيد لا تتعدى الصلاحيات الأمنية التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية، والتي تنحصر بشكل خاص في مجال التعاون مع إسرائيل أمنياً في مواجهة المقاومة.

في الوقت نفسه، فإن القبول بسيادة إسرائيلية مطلقة في الضفة الغربية يعني أنه لن يكون بوسع الكيان الفلسطيني العتيد السيطرة على الحدود، أو تدشين علاقات خارجية. في الوقت ذاته، فإن الاستجابة للشروط الإسرائيلية تعني تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، لأنها تحسم مسبقاً قضايا الحل الدائم الرئيسة: المستوطنات، القدس، واللاجئون، بما يتوافق مع التصور الإسرائيلي للحل.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما مسوغات مسارعة إسرائيل لإعلان هذه الشروط قبل إعلان ترامب عن مبادرته، والذي كان يفترض أن يتم في ديسمبر أو يناير القادم؟ فهل كانت حكومة اليمين المتطرف تتخوف من أن تتضمن المبادرة بنوداً لا تأخذ بهذه الشروط؟ أم أن الإعلان جاء نتاج الضغوط التي مارسها تحديداً "الصقور" من وزراء حزب الليكود، الذي يرأسه بنيامين نتنياهو، الذين رفضوا بقوة بنود المبادرة الأميركية، التي سربتها أخيراً، قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، لمجرد أنها دعت إلى تدشين دولة فلسطينية، مع ضمان بقاء كل المستوطنات في الضفة وتأجيل بحث قضية القدس؟.

وبغض النظر عن المسوغات وراء الإعلان عن الشروط الإسرائيلية، فقد بات في حكم المؤكد أن هذا التطور سيؤثر على مصير مبادرة ترامب للتسوية، حيث إنه سيكون من الصعب جداً أن تستجيب المبادرة الأميركية لهذه الشروط، على اعتبار أن واشنطن تعي أنه سيكون من المستحيل على الجانب الفلسطيني قبول هذه المبادرة، ناهيك عن أن تبني الشروط الإسرائيلية سيقلص قدرة الأطراف العربية، لا سيما السعودية على تسويقها لدى الفلسطينيين، على اعتبار أنها تتناقض بشكل مطلق مع بنود "مبادرة السلام العربية". وإن كانت شروط إسرائيل التعجيزية ستقلص من فرص إعلان ترامب مبادرته، فإنها ستقلص من فرص تعرض قيادة السلطة للضغوط الأميركية والعربية، التي كان يمكن أن تمارس عليها لقبول هذه المبادرة.

إلى جانب ذلك، فإن تهديد الولايات المتحدة بإغلاق ممثلية منظمة التحرير في واشنطن والإنذار بقطع المساعدات المالية عن السلطة في حال لم توافق على استئناف المفاوضات مع إسرائيل في غضون 90 يوماً، لم يعد ذا صلة بالواقع، على اعتبار أن الشروط الإسرائيلية ستمنح قيادة السلطة القدرة على المحاججة بأنها تنسف بيئة أية مفاوضات جدية.

ويدلل الإعلان عن الشروط الإسرائيلية على أن تل أبيب لا تخشى ردة الفعل الأميركية، حيث إن إدارة ترامب تتجنب توجيه أي نقد للسياسات الإسرائيلية، وذلك بخلاف إدارة أوباما.

ومما لا شك فيه أن إعلان إسرائيل شروطها التعجيزية يقلص من قدرة أنظمة الحكم العربية، التي ترتبط بعلاقات سرية قوية مع تل أبيب على إخراج هذه العلاقات للعلن، ناهيك عن أنها تمثل ضربة للنخب المرتبطة بهذه الأنظمة، والتي تحاول تسويق التقارب مع إسرائيل.

وإن كان هناك من يراهن على إسهام مبادرة ترامب في تسوية الطريق أمام صفقة القرن التي تضفي شرعية على التطبيع الكامل بين إسرائيل ودول عربية لا تقيم علاقات دبلوماسية معها، فإن الشروط التي أعلنتها تل أبيب تصفي فرص هذه الصفة.

المساهمون