سينما لبنانية تواجه خراب بلدها

31 يوليو 2019
الصورة
"جدار الصوت" في "فينيسيا": حياة وسينما (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
تزداد الأوضاع اللبنانية سوءًا، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأمن والإعلام، يومًا تلو آخر. الخراب متفشٍّ، وهذا مؤذٍ لكثيرين غير متمكّنين من حماية أنفسهم من مخاطر العيش، في بلدٍ مهشّم وممزّق. الخراب عظيم. مسؤولو البلد غير راغبين في إعمارٍ حقيقيّ يصنع وطنًا، بدلاً من مزرعةٍ ينخرها فساد وموت. 

الصورة قاتمة. الأوضاع اللبنانية، بغالبية مستوياتها، تزداد سوءًا. خطاب الكراهية والعنصرية يحتدّ في مواجهة لاجئين يأتون البلد غصبًا عن إراداتهم، وكلّ كلام يُقال في مواجهته غير مؤثِّر، فما من أحدٍ يقرأ، ولأصحاب الخطاب برامج تتناقض وكلّ منطق وعقلانية يتقلّصان بسرعة مخيفة. ملفات الحرب الأهليّة اللبنانية (1975 ـ 1990) تُفتح عشوائيًا، لأهدافٍ لا علاقة لها بالمراجعة والنقد والمصارحة والتصالح، فالرغبة في فتحها كامنةٌ في تحريض غرائز مبنية على انفعال طائفي أو مذهبي رخيص ومبتذل.

المفارقة اللبنانية مُذهلة في تناقضاتها. خرابٌ يعتمل في جسد البلد وروحه، بينما نتاجه السينمائي يزداد عددًا وقيمة. أفلام تُنجز، ومشاريع تخطو خطوات ثابتة باتجاه التنفيذ، وأخرى لا تزال في بدايات التحضير. أفلام تُنجز بإنتاج محلي، وبمشاركة عربية ودولية. الحيوية فاعلة. المواضيع متنوّعة. للتجاريّ والاستهلاكيّ مكانٌ أوسع من غيره. مع ذلك، يحاول مخرجون كثيرون إيجاد حيّز لعرض أفلامهم الجديدة، إنْ يُسمَح لها بالعرض، فبعضها منشغلٌ بمسائل معلّقة في ذاكرة لبنانيين، وفي حروبهم العديدة وماضيهم الممزّق وراهنهم المؤلِم، وهذا كلّه مرفوض من سلطات تخشى على ذاتها من أفلامٍ تكشف وتُعرّي وتسأل وتفضح، مع أنّ تاريخ السينما يشهد على غياب التأثير المباشر للأفلام في حركة المجتمع وتحرّكات الناس. تونسيو "ثورة الياسمين"، ومصريو "ثورة 25 يناير"، وسوريو الحراك المدني، وعرب التحرّكات الشعبية السلمية، في ليبيا واليمن والبحرين والجزائر، يواجهون سلطاتٍ ديكتاتورية رغبةً في خلاصٍ من بطش وقمع وإقصاء. هؤلاء غير محتاجين إلى سينما تحثّهم على النزول إلى الشارع، فالمصائب عظيمة، والآلام غير مُحتَمَلة. لكن سلطات لبنانية تجد في كشفٍ سينمائي لحكاية أو حالة أو مسألة، ينبشها سينمائيون من ملفّات معلّقة في تاريخ بلدهم، خطرًا على مواقعها، فترفض وتمنع وتقمع.

سلوك سلطات لبنانية غير متمكّن من ترهيب سينمائيين، يستمرّون في نبش الممنوع والمغيّب والمخبّأ، فهذا ضروريّ لأن كلّ خلاص فعلي من جحيم الماضي يمرّ عبر مواجهة أشباحه وتعريتها وكشفها وفضحها، بعيدًا عن كلّ لغة شعبوية، أو خطاب تحريضي يُتقنهما سياسيون، يريدون فتنًا متنقّلة كي يتمكّنوا من تثبيت سيطرتهم وتسلّطهم. سينمائيون لبنانيون يبحثون في ذاكرة فردية وتاريخ جماعي عن تفاصيل منسية، أو يُراد لها أن تبقى منسية، وهي تفاصيل تُشكِّل فصولاً من سيرة بلد وناسه، يُفترض بالبلد وناسه أنْ يعرفوها ويُدركوا كُنهها ويناقشوها ويُساجلوها، للتحرّر منها والاغتسال بها تمهيدًا لخلاص مطلوب، ولمصالحة حقيقية. "بانوبتك" (2017) لرنا عيد، و"لي قبور في هذه الأرض" (2016) لرين متري، نموذجان يعكسان جمالية الصورة الوثائقية في تنقيبها في الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، فيُمنعان من أي عرض تجاري محليّ بسبب توغّلهما في أحوال بلد مُصاب بأعطابٍ يبدو أنْ لا شفاء منها.

لن تكون السينما وحيدة في هذا. الغليان الفني موزّع على تشكيل ومسرح وأدبٍ وكتابات صحافية، وإنْ تكن أقلّ عددًا، لكن بعضها فعّال وحيوي. الكمّية متفاوتة بين فنّ وآخر، لكن السينما ـ رغم حاجتها إلى أموالٍ أكثر من أي فنّ آخر ـ متمكّنة من إنتاج أفلامٍ تُثير نقاشًا، رغم تعرّض بعضها على الأقلّ لقمعٍ ومنعٍ ورفضٍ وإقصاء.

حيوية السينما اللبنانية غير محصورة بذاكرة حرب وتاريخ بلد وأحوال جماعات وانفعال أفراد. المواضيع عديدة، وراهن الحياة اليومية والعلاقات المختلفة يُفرز تساؤلات يشتغل مخرجون شباب عليها، كالروابط القائمة بين أهل وأبناء، والمثلية الجنسية، والخيانات مختلفة الأنواع والحالات، والرغبات المعطّلة، وأسئلة الحياة والموت والعشق.

هذا كلّه مُغر، فالأسئلة كثيرة، وراهنية معظمها حيوية، وبعض الأسئلة يُساعد على التنقيب في الذاكرة والتاريخ أيضًا. الذاتيّ البحت جزءٌ من صناعة فيلمية لبنانية أيضًا. الكوميديا المتحرّرة من وطأة الأسئلة والقضايا حاضرة بدورها، وإنْ تحتاج إلى تأهيل واشتغالات تقيها من التسطيح والتهريج والغباء.

ذاكرة الحروب اللبنانية حيّة في الوجدان الفرديّ والتذكّر الجماعي. حروب العدو الإسرائيليّ ماثلة في الانفعال والوعي أيضًا. "جدار الصوت" (2019)، أول روائي طويل للمخرج اللبناني أحمد غصين، يستعيد شيئًا من "حرب يوليو/ تموز 2006" (حرب العدو الإسرائيلي على لبنان واللبنانيين)، كي يطرح أسئلة ذاتية عن الراهن والمستقبل والعلاقات والمواجهة. حيوية السينما اللبنانية، في الأعوام القليلة الفائتة على الأقلّ، تدفع "جدار الصوت" إلى مهرجان دولي منتمٍ إلى الفئة الأولى، إذْ اختير لـ"العرض الدولي الأول" في "أسبوع النقد"، في الدورة الـ76 (28 أغسطس/ آب ـ 7 سبتمبر/ أيلول 2019) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي".

هذه خطوة مهمّة، تعكس جماليات سينما تواجه قهرًا وتمزّقًا ومصائب جمّة في بلدها، لكنها تصنع صُورًا، وتروي حكايات، وتُصوّر انفعالات، وتلتقط حالات.

المساهمون