سيناريو التقسيم في ليبيا: هل يكون خياراً لدى داعمي حفتر؟

08 أكتوبر 2019
الصورة
التقسيم ظهر مع فشل حرب حفتر على طرابلس(عبدالله دوما/Getty)
لم يكن الحديث عن تقسيم ليبيا جديداً، فقد برزت مطالب بنظام فدرالي منذ عام 2011، وتشكّل في برقة، عام 2013، ما سُمّي وقتها "المكتب السياسي لإقليم برقة" الذي أعلن عن حكومة فدرالية، فضلاً عن أصوات في الجنوب تنادي بذلك الحلّ إثر تراكم الأزمات فيه. لكنّ تصريحات قادة من خارج البلاد دعت إلى حلّ أزمة ليبيا على أساس "تقسيم الثروة"، لقيت صداها الداخلي، ما جعل الحديث عن الأمر يعود بشكل لافت، كأحد الخيارات المطروحة للحلّ، لكن هل يكون خيار التقسيم بديلاً لدى حلفاء الجنرال المتقاعد خليفة حفتر الإقليميين والدوليين؟

يرى مراقبون للشأن الليبي أنّ الدافع إلأى بروز القضية مجدداً، لم يكن بتأثير من تصريحات أطراف خارجية، بل لأسباب داخلية، أبرزها تأثيرات حرب حفتر، المدعوم من قوى خارجية (الإمارات ومصر والسعودية وفرنسا)، على العاصمة طرابلس.

وعادت النداءات الدولية لوقف الحرب وضرورة البحث عن حل سلمي سياسي للأزمة الليبية بعد ستة أشهر من محاولات حفتر الحثيثة للسيطرة على طرابلس.

وعلى الرغم من بقاء تلك الدعوات الدولية تتحدث عن الحل السياسي بشكله النمطي السابق، إلا أنّ اللافت فيها دعوة بعضها، وتحديداً على لسان رئيس البعثة الأممية في ليبيا غسان سلامة، إلى توزيع الثروة بالتساوي، مؤكداً أنّ الصراع الحالي حول طرابلس "صراع من أجل الثروة".

ولمّح السفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، إلى الأمر بالقول إنّ "من حق جميع الليبيين التمتع بثروات بلادهم"، لكن هذا الاتجاه جاء بشكل واضح على لسان الرئيس المصري عبد التفاح السيسي، خلال كلمته في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 24 سبتمبر/ أيلول الماضي، عندما دعا إلى توزيع عادل للثروة في ليبيا.

ولقيت دعوة السيسي استهجاناً ليبياً واسعاً، تزامناً مع مساعي جهات حكومية موالية لحفتر، تشير آراء ليبية إلى أنّ الإمارات تقف وراءها، بهدف تقسيم إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، كخطوة لتقسيم الموارد، وهو أمر يحذّر الباحث الليبي في الشؤون السياسية علي بوزيد، من خطره على البلاد.

وأشار بوزيد، في حديث لـ"العربي الجديد"، اليوم الثلاثاء، إلى "خطورة تراجع الحديث عن الدستور والانتخابات، مقابل أحاديث ترسّخ الانقسام في المؤسسات، بل وتزيده، ما يعطي مؤشرات خطيرة على هذا الأمر".
وقال إنّه "لا شكّ في أنّ خطر تفكك ليبيا صار أكبر من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل استمرار الحرب على طرابلس، الذي يبرّر كثيراً على أنه محاولة لتحقيق العدالة في توزيع الموارد، ونتيجة لتهميش المنطقة الشرقية، كذلك إن توظيف الخطاب القبلي وتحشيد القبائل لتنخرط في هذا الصراع يزيد من خطورة التفكك".

ويشير الباحث السياسي إلى أنّ "انقسام الموقف الدولي، وعدم توافقه على صيغة لحل الأزمة الليبية، وإصرار دول مثل فرنسا ومصر والإمارات على دعم مشروع الكرامة وقائده حفتر، وتجاوز القرارات الدولية وعجز الأخير عن السيطرة الكاملة، قد يؤدي إلى انفصاله بما يسيطر عليه من الأرض، كأحد السيناريوهات التي يمكن أن يصل إليها داعموه".
ويتفق المحلل السياسي الليبي خليفة الحداد، مع بوزيد، مؤكداً أنّ "حفتر يسعى إلى تحقيق أحلامه بحكم ليبيا كاملة، لكنه في الواقع بيدق بيد داعميه، ولا خيار أمامه سوى تنفيذ ما يرغبون"، معتبراً أن الحديث عن التقسيم "مجرد تكهنات" في الوقت الحالي.
وأوضح الحداد، لـ"العربي الجديد"، بالقول: "هناك صعوبات جمة، فليست الدول الأربع التي تدعم حفتر الوحيدة في ليبيا، فهناك من يقف بجانب خصوم حفتر، وبالتالي فإنّ صعوبة توافق المجتمع الدولي على مصالحه من خلال أقاليم مقسمة أولى العراقيل، كذلك إن دول الجوار العربي كالجزائر لطالما وقفت أمام مشاريع إقليمية، فلم يتمكن حفتر من الوصول إلى طرابلس إلا مباغتة عندما التهت الجزائر بنفسها في الأشهر الماضية"، مضيفاً: "يجب ألا ننسى أيضاً روسيا الموجودة بقوة هذه الأيام، والانزعاج الدولي من اقترابها من حفتر".
لكنّ الحداد يرى في الوقت عينه أنّ "خيار التقسيم يمكن أن يكون حقيقياً بالنسبة إلى داعمي حفتر، وقد فشل على الأرض بشكل كبير في تنفيذ مشروع السيطرة العسكرية الذي حشد له داعموه بشكل كبير على المستوى الدولي"، مؤكداً أنّ هذه الدول "دفعت فاتورة باهظة في سبيل دعم حفتر، ولن تتخلى عن خياراتها ومصالحها بسهولة، ولو على حساب وحدة التراب الليبي".

ويبدو أنّ خطر التقسيم الذي قد يدخل من باب دعوات "التوزيع العادل للثروة"، هو ما حدا الكثير من المهتمين الليبيين إلى وضع مقاربات تقطع الطريق أمام أطماع داعمي حفتر، فقد دعا السياسي الليبي إسماعيل القريتلي، في منشور على صفحته الرسمية في "فيسبوك"، أمس الاثنين، إلى "تفكيك النظام المركزي المغلق كخطوة تأسيسية لإنهاء أزمة ليبيا"، معتبراً أنه نظام مسؤول عن "عجز المتنفذين في ذلك النظام عن إيصال الخدمات لكل المناطق والمجموعات السكانية"، بالإضافة إلى كونه يعطل التنمية المكانية والتنمية السياسية للمجتمعات المحلية.

وبالتزامن مع وضع قانون للموارد الطبيعية، يمكن - بحسب القريتلي - أن تحدّد حكومة الدولة وحكومات الأقاليم والحكومات المحلية، صلاحياتها السياسية والتنفيذية والتجارية والمالية والتشريعية.
وتلك المقاربة يراها الناشط السياسي الليبي عبد الحفيظ سعد، أنّها "أمثل"، مع ضرورة توسيع دائرة النقاش والحوار حولها في خطوات ثابتة للحل الداخلي ولتلافي مساعي أطراف تسعى بجدية في كواليس الأزمة الليبية لتقسيم حقيقي للبلاد.
وقال سعد، لـ"العربي الجديد"، إنّ "تفكيك المركزية في الدولة، والعمل على أساس إدارات محلية، نظام معمول به وناجح في عدة دول، ويقطع الطريق أمام دول كمصر التي لم تخف أصوات سياسييها عن حق مصري في شرق البلاد، وأطماع فرنسية واضحة في الجنوب، تستدعي لها خطابات تعزف على وتر ظلم في توزيع الثروة وحقوق الأقاليم الليبية المهضومة"، لافتاً إلى أنّ "شعارات حفتر في حربه على طرابلس، التي تتهم تياراً يصفه بالإرهابي بالاستحواذ على ثروات النفط، مؤشر على ذلك".

لكنّ سعد يلفت، في ذات الوقت، إلى "ضرورة إخضاع هذا الحلّ لحوار ليبي أوسع، ينتهي لاستفتاء وألا يتوقف تأسيس الإدارات المحلية على أساس التقسيم التاريخي المعروف لثلاثة أقاليم، لتلافي آثاره التي قد تتمثل في بروز مطالب داخل كل إقليم ليبي، من خلال النعرات القبلية والجهوية التي تنادي بعضها بالانفصال التام"، لافتاً أيضاً إلى "صعوبة إقرار المجتمع الدولي حول مصالحه في ظل هذا النظام، وفي حال سعي الليبيين إلى فرضه لقطع الطريق أمام السعاة لتقسيم البلاد".
وعليه، فإنّ الصفقات التجارية ومشاريع الطاقة تتعدى الحاجة الاعتيادية في تقدير المصالح، لتتحول بالنسبة إلى الروس إلى أداة استراتيجية للضغط، وورقة سياسية للتفاوض مع الأطراف النافذة على الخريطة الدولية.