سيناريو آخر في عركة آيا صوفيا

13 يوليو 2020
الصورة

تجمهر أمام أيا صوفيا بعد قرار تحويله من متحف إلى مسجد (11/7/2020/الأناضول)

ماذا لو؟ يا له من سؤال ينفجر مثل لغمٍ مدفون في عمق النفس البشرية، حين يشتعل صراع يبدو في ظاهره متعلقًا بقضايا حضارية وثقافية وإنسانية كبرى، بينما هو في باطنه تجسيدٌ لحالة استقطاب حاد بين شخصين وجمهورين.
في موضوع الساعة: متحف أيا صوفيا في مدينة اسطنبول يعود مسجدًا بقرار من الرئيس أردوغان، بعد أن حكم القضاء التركي بأن يكون مسجدًا، بعد عقود من تحويله إلى متحف في زمن الأتاتوركية، بعد أن ظل مسجدًا عدة قرون، منذ اشترى السلطان محمد الفاتح المبنى، وحوله من كنيسة إلى مسجد.
منذ صدر مرسوم أردوغان، والحرب على أشدها في العالم العربي بين محورين: محور عبد الفتاح السيسي ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد.. ومحور أردوغان، ومن التف حول المحورين من تيارات فكرية وسياسية.
العركة سياسية بالأساس، لكنها تتخذ عناوين دينية وحضارية وثقافية، بإلحاحٍ عجيب، وإن كان من العسف أن تستبعد وجود أصوات تتناول المسألة من المنظوريْن، الحضاري والثقافي، غير أنها أصوات قليلة لا تُسمع، وإن سُمعت فإنها تجد نفسها متهمةً بالسلبية من كلا المحورين.
دعونا نستخدم السؤال الافتراضي الرجيم: ماذا لو كان قرار أردوغان وحكم القضاء التركي هو بقاء أيا صوفيا على ما هو عليه، متحفًا ومعلمًا حضاريًا وثقافيًا مفتوحًا للجميع؟ أتخيل هنا موقف المحور المؤيد لكل ما يقوم به أردوغان على طول الخط على النحو التالي:
قرار حكيم من قائد شجاع يؤمن بالتنوع الثقافي والتعدّد الحضاري ويجسد جوهر الإسلام الصحيح في احترام التراث الإنساني، وينطلق من روح النص القرآني الذي أكد على وجوب دفاع الحاكم المسلم عن أماكن عبادة أتباع الديانات الأخرى، عملًا بالآية الكريمة "ولولا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا".
كنت ستسمع من عواصم الغرب المتهم بحرق وتدمير مساجد وقتل مرتاديها وتحويلها إلى كنائس، كلامًا فخيمًا عن احترام التنوع وإعلاء قيم التحضر والذود عن مظاهر الثراء الثقافي والفكري، من قائد عظيم ومستنير ومنفتح على كل الثقافات والحضارات.. إلى آخر هذه المعلبات السياسية الكذوب.
بينما على الجانب الآخر، محور "السيسي واعتدال" لم يكن موقف أردوغان ليمر إلا وتقرأ وتسمع كلامًا بذيئًا ومنحطًا عن الخليفة الكاذب الذي يدّعي الدفاع عن الإسلام، ثم ينافق الغرب ويشتري رضاه ببيع مساجد الله في بورصة السياسة القذرة.. ثم لن تعدم أن تشاهد تقريرًا كوميديًا على قنوات بن سلمان ينتهي بعبارة "الحمد لله الذي وهبنا زعيمًا خادمًا للحرمين الشريفين وحارسًا لبيوت الله". أما في إعلام بن زايد، وملحقًا به إعلام السيسي، الأرجح أنك كنت سترى وتسمع عجبًا عجابًا ينتهي بأن أردوغان تنازل عن المسجد خوفًا من الغرب، وطمعًا في المقابل، وليس إيمانًا بالتنوع الثقافي والحضاري، مثل محمد بن زايد الذي افتتح أول معبد للهندوس في جزيرة العرب، حبًا وتعلقًا بالتراث الهندوسي، أو مثل عبد الفتاح السيسي، زعيم تجديد الخطاب الديني الذي يحب الغرب حبًا جمًا من صميم قلبه، إلى درجة أنه حذّره من أكثر من مليار وستمائة مليون مسلم يشكلون خطرًا على الحضارة الإنسانية.
إذا القصة، باختصار، هي حلقة في دراما الاستقطاب السياسي "السيسي - الأردوغاني". في الخلفية تلمح ظلالًا للمعضلة الليبية، والمأساة المصرية الممتدة منذ سبع سنوات، كل في خندقه السياسي، وإن كان الظاهر على السطح صراعًا بين حماة الدين وحرّاس الثقافة.
وفي مثل هذا النوع من معارك الاستقطاب، من الصعوبة الإمساك بخيط واحد من الموضوعية والتجرّد، كما في مواقف عديدة سابقة، أشهرها العلاقة مع الكيان الصهيوني، وما يكتنفها من مظاهر تطبيع فج، تجده عين الحكمة والدهاء السياسي والحرص على فلسطين، عند جمهور الطرف الأول، ومنتهى العمالة والتفريط والتماهي مع المشروع الصهيوني، عند جمهور الطرف الثاني، ليصبح التطبيع فضيلةً هنا ورذيلةً هناك، بالرغم من أن الفعل واحد.
القصة، في مبتدأ الأمر وخبره، أن تركيا أقدمت على إجراء هو من صميم ممارسة سيادتها على كل ما يقع على الأرض التركية، وحققت حلمًا قوميًا، بالمعنى السياسي والوجودي يعود إلى قرون مضت، وأعادت وضعًا إلى ما كان عليه، وانتهى الأمر بهدوء، في الداخل التركي. وحتى على المستوى الأوروبي، لم تخرج ردود الأفعال عن بيانات نمطية ومتوقعة، عن خيبة أمل هنا، أو دهشة عابرة هناك، فيما الصخب والضجيج على أشدّهما في مفاعلات الكلام والجدل المنتشرة على السوشيال ميديا العربية، وكأنها الحرب بدأت، لتتراجع كل القضايا والكوارث الكبرى من سد النهضة إلى الحريق الليبي والمأساة اليمنية، في جدول الاهتمامات، وندخل مرحلة "لا صوت يعلو فوق صوت معركة أيا صوفيا".
مرة أخرى، المسألة كما تبدو، ليست صراعًا حول: مسجد أم متحف أم كنيسة، بل حلقة من التناحر والاستقطاب حول: أردوغان والسيسي، والويل لمن لا يشارك، إذ يجد نفسه مرّة مطعونًا في عقيدته الدينية، ومرّة أخرى في انتمائه الوطني، متهمًا في الأولى بالتخلي عن الدين، وفي الثانية بمعاداة التراث الثقافي.

استمع إلى المقالة: