سوريو الاغتراب واللجوء ... هروب من جحيم "الأسدين"

16 يوليو 2017
الصورة
سوريو المهجر... حنين للوطن ومخاوف من التهجير(ناصر السهلي)

إذا كان السوري بطبعه يميل إلى التمسك بأرضه فإن الظروف السياسية والاقتصادية، وخصوصا منذ انقلاب حزب "البعث" في الستينيات، دفعت اضطرارًا ببعضهم إلى المنفى. أنتج هذا المنفى لوحة سورية أخرى. فبين النمسا وألمانيا وأميركا نرى بعض ملامحها، حيث يزاول / وفقا لمصادر السورية والغربية/ 23 ألف طبيب/ة مهنتهم فيها. بينما في داخل سورية كان يوجد حوالي 27 ألف طبيب، وهذا قبل فترة اللجوء في 2011. 

وحيثما بحثنا نجد أن أعداد سوريي الاغتراب هم بالملايين، منذ سجل القرن التاسع عشر بداية رحلتهم مع الاغتراب من سورية الطبيعية، التي شملت جغرافية غير التي نعرفها اليوم. وشكلت الأميركيتان وجهة هؤلاء، خصوصا البرازيل والأرجنتين وباقي الدول اللاتينية. عدا عن مئات الآلاف في قارات أخرى ينتشر في بقاعها (إذا لم نحتسب العالم العربي) سوريون/من أصل سوري.
فبصوت مخنوق، تشرح المكتبية وأستاذة اللغة العربية بجامعة كوبنهاغن، جُون ضاحي، لـ"العربي الجديد"، حال المهجر بعد 53 سنة، وما آلت إليه منطقة النبك، إلى الشمال من دمشق، مسقط رأس أبيها. وينفجر البرلماني ناصر خضر، السوري من جهة أمه، والفلسطيني السوري بالتعريف الرسمي في دمشق، من مشهد تهجير جماعي بالملايين لينضموا إلى آخرين سبقوه منذ عقود وعقود. وفي ألمانيا حين نتحدث مع النائب السابق من أصل سوري جمال قارصللي عن سوريي المنفى، بعد حوالي 4 عقود من الهجرة، يتخوّف الرجل من أن يتحول المهجر المؤقت الحديث من المؤقت إلى الثابت.


وبالنسبة لمهاجر في عقده السابع، فإن "هجرة السوريين القديمة طعمت الشعوب منذ قرن ونصف القرن، فبتنا أمام سوريين في الأصل، رؤساء دول ووزراء وأكاديميين وفنانين، صنعوا لأنفسهم أوطاناً أخرى، ولكن يبقى الحنين دوما إلى وطننا الذي لم يحرص على علاقتنا به نظام الانقلاب منذ 1963"، يقول من السويد "أبو العبد النبكي".

ولا يتوقف انتشار السوريين عند منظر لاجئي السنوات الأخيرة، فهو تاريخ هجرة قديمة، وموجاتها ارتبطت بفترات مختلفة، ويعتبر البعض أن "فترة حكم الأسدين من أصعب فترات الهجرة، لما حملته من تنفير السوريين كجاليات من بعضهم وزرع الشك والريبة وجعلهم منقسمين دائماً، وربط الجاليات ومؤسساتها دوما بأجهزة الأمن"، كما يصف واقع الهجرة لـ"العربي الجديد"، أستاذ جامعي سوري في فيينا. ويبقى بالتأكيد جدل الأعداد ملازما للحديث عن المهجر السوري القديم. فالمؤكد أن أعداد من هم من أصول سورية في البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وبقية البلدان اللاتينية الأكبر بعد سوريي الوطن.

وارتبطت تعقيدات الأرقام بما حمله المهاجرون الأوائل معهم من وثائق وأوراق في الحقبة العثمانية والاستعمارية الفرنسية في ما بعد. وبكل الأحوال يعتبر انتشار آلاف الأطباء والمهندسين السوريين في قارتي أوروبا وأميركا علامة فارقة في كفاءات السوريين، قبل حتى الموجة الأخيرة للجوء والهجرة منذ 2011. 

وذهب الباحث السوري محمد جمال باروت، في دراسة متخصصة عن المهاجرين السوريين، إلى تقدير أن 35 بالمئة من مهاجري سورية في الدول المتقدمة هم في مستوى تعليمي جامعي وما فوق من إجمالي المهاجرين السوريين في عام 2000.
وقدرت منظمة الهجرة والتنمية في الأمم المتحدة في ذلك العام أن نسبة السوريين الجامعيين تصل إلى حوالي 1 بالمئة من مجمل المهاجرين إلى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي الذين يشكلون ما نسبته 11 بالمئة من تلك الفئة المتعلمة.

وبالتأكيد مع زيادة اللجوء والهجرة من سورية، فإن كفاءات كثيرة هجرت بلدها نتيجة الظروف التي باتت معروفة للجميع، فإذا كانت منظمة الأمم المتحدة قبل حوالي 15 سنة قدرت أعداد الأطباء السوريين في ألمانيا والولايات المتحدة بأكثر من 24 ألف طبيب/ة فلنا أن نتخيل الواقع اليوم في ظل الحرب السورية. 
من آلاف إلى ملايين
شهدت المملكة المتحدة هجرة سورية مبكرة، وبرزت شخصيات أدبية وثقافية وأكاديمية فيها إلى جانب انشغال معظم الجالية التي قدرت بعدة آلاف، على عكس كثافة الهجرة نحو الأميركيتين، بأعمال تجارية. وعرفت الفترة الفيكتورية أولى هجرات السوريين الذين عاشوا في مانشستر وعملوا في النسيج، وكان القطن السوري الأشهر في صناعة النسيج البريطاني. وبرزت في المملكة المتحدة، رغم صغر عدد أبناء الجالية السورية، العديد من الشخصيات الفاعلة في المجتمع البريطاني على مستويات عدة، جامعية وطبية وفنية وأكاديمية عموما. هذا إلى جانب نجاحات رجال أعمال من أصل سوري.

نذكر البعض منها، أمثال الشاب نبيل النايال، مصمّم الأزياء، الذي جاء إلى بريطانيا وهو في الـ14 من العمر، في عام 1999، الحائز على العديد من الجوائز المرموقة، بما في ذلك جائزة الجمعية الملكية للفنون. وهو أوّل مصمّم أزياء في العالم يستخدم الطباعة الثلاثية الأبعاد. 
وكمال أبو ديب، كاتب وناقد سوري، شغل منصب بروفسور في جامعة لندن، منذ عام 1992. فضلاً عن البروفسور كفاح مقبل، الجرّاح السوري البريطاني، الذي يشغل منصب كبير جرّاحي الثدي بمعهد لندن، في مستشفى الأميرة غريس، وتطول القائمة. 

ولم يتجاوز عدد اللاجئين السوريين في 7 مارس/ آذار الـ7307 من أولئك الذين حدّدتهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وأحيلوا إلى بريطانيا بموجب خطة إعادة التوطين، التي ستشمل كحد أقصى 20 ألف شخص من مخيمات اللاجئين المتاخمة لسورية. 

ووفق إحصاء عام 2011، يبلغ عدد السوريين المقيمين في بريطانيا الذين سجّلوا أنّهم من مواليد سورية، 8528 شخصا، موزّعين في ويلز وإسكتلندا وشمال إيرلندا ومناطق أخرى. 
كما في غيرها من المغتربات برزت في المملكة المتحدة حالة فرز واصطفاف منذ وقت مبكر في الثورة السورية. فعانت الجالية السورية من ضغوط الواقع وإعادة تنظيم صفوفها بعد أن بقيت "روابط الجاليات" تدور لسنوات في فلك رسمي عبر "وزارة الخارجية والمغتربين" التي بادرت إليها بثينة شعبان عبر ما سمي في دمشق "مؤتمر المغتربين" السوريين.


وفي العموم ساهمت تحويلات المهاجرين السوريين، ومنهم في بريطانيا، برفد الاقتصاد السوري بحوالي 2 مليار دولار سنويا، قبل اندلاع الثورة، وبما يقترب من 17 بالمئة من الميزانية العامة.

وبالرغم من غياب إحصائيات دقيقة عن سوريي الولايات المتحدة، فإن التقديرات للأصول السورية تراوح عند 191 ألفا. رغم أن الرقم قد يرتفع كثيرا عن ذلك إذا ما احتسبنا مئات آلاف من الأصول اللبنانية الذين هم في الأصل من سورية آنذاك.

والناظر إلى أوضاع السوريين حديثي الهجرة، في العقود الأخيرة، يلاحظ أن نجاحاتهم تتناقض تماما مع الصورة التي يرسمها ساسة أميركيون كدونالد ترامب، رغم بعض الصعوبات التي يواجهونها. فبحسب مكتب الهجرة الأميركي، هم يعيشون أوضاعا اقتصادية وتعليمية بمعدل أفضل من تلك التي يعيشها الأميركيون الذين ولدوا في الولايات المتحدة. ويعملون في مجالات مختلفة، منها الأكاديمي والتعليمي والطبي والاجتماعي. كما أن معدل الدخل بينهم يفوق المعدل القومي، بحسب دراسة صادرة عن "معهد سياسات الهجرة"، ومقره واشنطن.
هاجس سوريو المهاجر (العربي الجديد) 


 












وتعتبر الجالية السورية في كندا من أقدم الجاليات التي هاجرت إلى كندا، وذلك منذ نهاية القرن الثامن عشر. وبحسب ما يقول المؤرخ والصيدلي الكندي السوري بدر الدين قربي، لـ"العربي الجديد"، فإن "بداية الهجرة كانت بدافع اقتصادي والبحث عن مستقبل أفضل. وازدادت الأعداد عقب نكسة 1967. وفي الثمانينيات من القرن الماضي ارتبطت بأوضاع الاستبداد والحديد والنار التي اتبعها نظام الحكم في سورية، ما أدى إلى هجرة أخرى للسوريين".

ويضيف القربي أن هذه الهجرات توالت إثر حربي الخليج الأولى والثانية "مع موجة من هجرة العقول والكفاءات السورية إلى كندا التي كانت تنتقي تلك الكفاءات وفقا لاحتياجاتها في تطوير ونهضة البلاد. وشملت هذه الهجرة الكثير من السوريين الذين كانوا يعملون في دول الخليج، إضافة إلى السوريين من داخل سورية، بسبب عدم الاستقرار وإدراك الكثيرين أن المنطقة العربية مقبلة على كوارث وحروب تستدعي البحث عن دول أخرى لأجل مستقبل أفضل وبحثا عن الأمان والاستقرار".

القربي متحدثا لـ"العربي الجديد" 


 













وشهدت كندا حضور ما يقارب 50 ألف سوري منذ اندلاع الثورة في 2011، ويرتفع عدد القادمين أخيرا إلى حوالي 110 آلاف، لينضموا إلى باقي السوريين الذين تقدر أعدادهم في كندا بحوالي 200 ألف، هذا دون احتساب من هم من أصل سوري وصنفوا بغير ذلك.

ويعتبر النائب عمر الغبرا، مستشار السياسة العامة لرئيس الوزراء جاستن تردو، من أشهر الشخصيات الكندية - السورية، إلى جانب النائب في البرلمان الكندي رينيه إنجيل، وهو منتج فني وزوج المغنية الكندية المعروفة سلنديان صاحبة أغنية فيلم تيتانك الشهير. ورينيه من أب سوري وأم كندية من أصل لبناني. هذا بالإضافة رجل الأعمال المعروف الكندي السوري جاك كاشكار. 

مهن المهجر 
يبين قربي أن مهن وأعمال السوريين في كندا تنوعت بحسب الحقب الزمنية "ففي بداية هجرتهم عملوا في التجارة والأعمال الحرة. وبعد فترة هجرة العقول والكفاءات السورية إلى كندا عمل الكثير منهم كصيادلة وأطباء ومهندسين إضافة إلى مزاولة مختلف الأعمال" . 
وعن الصعوبات التي واجهت الجالية السورية، يرى القربي أنها "صعوبات يواجهها معظم المهاجرين في البداية، منها اللغة، والبحث عن عمل والاندماج في الحياة الكندية".

لكن ما ميز الجالية السورية، برأي القربي، أنها "إضافة إلى تلك الصعوبات، فقد كان السوريون حديثو الهجرة في العقود الأخيرة يحملون مشاكلهم ومخاوفهم من النظام السوري الذي حكمهم بالتفرقة والاستبداد والتنكيل بهم أو بأسرهم. لقد خلق ذلك الكثير من الخوف إذا ما قرر أحدهم زيارة سورية، وهذا الأمر كان ولا زال بين أبناء الجالية السورية في كندا، ما أثر بشكل كبير ومهم على طبيعة العلاقات والتواصل بين أبناء الجالية السورية في كندا".


أرقام في المهجر
يشير "معهد سياسة الهجرة" في دراسته الخاصة بالمهاجرين السوريين إلى الولايات المتحدة، إلى أن حوالي 39 بالمئة من هؤلاء يحملون شهادات أكاديمية مقابل 30 بالمئة من الأميركيين البالغين. وفي المقابل فإن هناك نسبة عالية كذلك من المهاجرين السوريين الذين لم يتمكنوا من إنهاء الدراسة الثانوية، حيث تصل نسبتهم إلى 26 بالمئة، مقابل 10 بالمئة بين الأميركيين المولودين في الولايات المتحدة. وتشير الدراسة كذلك إلى تدني نسبة النساء السوريات اللواتي يطرقن سوق العمل. وبحسب جمعية الأطباء الأميركيين، فإن عدد الأطباء السوريين يصل إلى حوالي 4 آلاف، ما يشكل نسبة 1.5 بالمئة من أطباء أميركا، وهم في المرتبة الثانية بعد الأطباء من أصل مصري.
ويتبوأ السوريون مناصب عمل عالية، 49 بالمئة من العاملين يتركزون في مجالات التجارة والعلوم والفنون والتعليم والصحة. وقليلة هي نسبة هؤلاء الذين يعملون في المبيعات العادية أو أعمال البناء.


وعلى الرغم من وجود نسبة عالية من العائلات السورية التي تعيش في الولايات المتحدة ويفوق معدل دخلها المعدل القومي أو معدل الدخل بين مجموعات مهاجرة أخرى، إلا أن نسبة العائلات التي تعيش تحت خط الفقر تصل إلى 20 بالمئة مقارنة بـ18 بالمئة من العائلات المهاجرة عامة و10 بالمئة من الأميركيين.
ويعيد المختصون ذلك إلى غياب انخراط النساء بنسب عالية في سوق العمل، كما بسبب ارتفاع معدل عدد أفراد العائلة السورية في أميركا الذي يصل إلى 4.1 أفراد، مقارنة بمعدل عدد أفراد العائلة الأميركية والذي يصل إلى 3.1. 

تضاعف الأعداد 
وبحسب أرقام رسمية لمركز الإحصائيات الأميركي، فإن عدد المهاجرين السوريين تضاعف ثلاث مرات بين الأعوام 1960 - 2000. فارتفع من 17 ألف مهاجر حتى عام 1960 ليصل إلى 55 ألف عام 2000. 


ومع اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011 والحروب التي تلتها، زاد عدد المهاجرين السوريين ليصل مجموعهم إلى 86 ألفا، بعدما كان عددهم عام 2010 حوالي 60 ألف مهاجر. وأغلب السوريين الذي وصلوا إلى الولايات المتحدة، حصلوا على تراخيص أقامة وعمل وهجرة وليس عن طريق اللجوء، حيث إن أعداد اللاجئين السوريين الذين دخلوا البلاد أو قدموا طلبات لجوء بشكل رسمي ضئيلة جدا. وعلى سبيل المثال أعطت الولايات المتحدة حق اللجوء فقط لـ2261 سورياً في الفترة الواقعة بين 1 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 وتشرين الثاني/ نوفمبر 2015. وتوزع حوالي ثلثهم على ولايتي ميشغين وتكساس، في حين وزعت الحكومة الفيدرالية البقية على 24 ولاية أخرى. أما المهاجرون من أصول سورية فيعيشون بأعداد كبيرة بولايات كنيوجيرسي ونيويورك وكاليفورنيا. 

(نيويورك - ابتسام عازم، لندن كاتيا يوسف، أوتاوا - إسراء حسين، إسطنبول - عدنان علي)



تعليق: