سورية وداء الخَرس

سورية وداء الخَرس

06 يونيو 2018
+ الخط -
نبّهتني الحادثة التي مررت بها أخيرا، وهي استدعائي إلى جهاز أمن الدولة في سورية للتحقيق معي بشأن مقالاتي، إلى حقيقة الحالة النفسية لمُعظم الناس. وقد اكتسبت صفة جديدة لا أعرف لم أمتعتني، وهي انفضاض معظم الأصدقاء عني، والأقارب أيضاً. وصرت شخصاً خطيراً يتجرأ وينتقد جهاز الأمن العتيد، ويكتب بإستمرار في "فيسبوك" عن المعتقلين السياسيين الشبان، وعمن مات منهم تحت التعذيب، وأنا أعرف عشرات منهم وأزور أهاليهم.
أعترف بحق الإنسان البسيط المُروع بالخوف من أجهزة الأمن، ومن التُهم التي يُمكن أن تهبط عليه أن يخاف وأن يكون حذراً، ولكن ليس إلى درجة الخرس.. أتساءل: لماذا قامت الثورة في سورية إذاً؟ ألم تكن غايتها الأولى كسر حاجز الخوف، وأن تصدح الحناجر بالحقيقة، برفض الظلم، ومناهضة الفساد  والرشاوي وعتقال الشبان الثوريين، وبتأكيد حقهم بالمطالبة بالعدالة والحرية.
الآن وبعد سبع سنوات من الثورة، أو الأزمة السورية (كي لا يستدعيني مرة ثانية جهاز أمن الدولة لأنني استعملت مفردة الثورة)، أحس بألم لا يوصف، إلى درجة أنني أتخيّل، طوال الوقت، أنني كيفما تحركت، ثمّة سكين في ظهري تنغرس عميقا. ومرة أخرى، للإنسان السوري، لاسيما الفقير واللاهث وراء لقمة الخبز لأولاده، أن يخاف، ولكن ليس إلى درجة الخرس، ليس إلى درجة أن أقوى موقف، وأعظم شجاعة يقدر عليها السوري (غنيا أم فقيرا) هو أن يكتب تحت صور الشبان الذين ماتوا تحت التعذيب في سجون النظام، وغالباً لا تُسلم جثثهم إلى أهاليهم أو تُسلم نتف منها، مترحما عليهم فقط.
أجدني أحياناً، على غير وعي مني، أنفلت بشتائم فاحشة على عيشنا القمة في الذل، إذ نادراً ما قرأت تعليقاً يندد بالنطام المخابراتي الأمني في سورية. أي ذنوبٍ ارتكبها المناضل المسكين 
سوى توقه للحرية والكرامة، فكانت النتيجة التلذّذ بتعذيبه حتى الموت. .. زرت يوما قرية الدريكيش قرب طرطوس، لمحت نصباً رخامياً عملاقاً يكاد يلامس السماء، عليه كتابة بالأسود العريض. للوهلة الأولى، اعتقدت أن الدولة أرادت أن تستقبل الناس عند مدخل القرية بأشعار للمتنبي، ولا أعرف من أين جاءني هذا الخاطر. وكانت الدريكيش تغص بأكثر من مليون نزحوا من حلب. وتبين أن المكتوب على النصب أسماء أكثر من مئتي شهيد. أما أشقاؤهم من المقلب الآخر، أي المعارضون والمناضلون، فلا أحد يكتب أسماءهم، فهم خونة ومجرمون، ويؤمنون بكلمة ثورة وكلمة حرية. وكيف أنسى يوم المهزلة قبل نحو خمسة عشر عاماً، في محاضرات في مركز ثقافي في سورية، تحت رعاية حزب البعث، كان عنوانها "الحرية في سورية". وهو عنوان مستفز، وقد قررت أن أتناول دواء مهدئاً للأعصاب، وأحضر المحاضرة، وكان المحاضرون عدة أشخاص، ومعظمهم مستشارون للرئيس، ومما قالوه إنه لا يوجد في الكرة الأرضية كلها حرية كالموجودة في سورية. وقال جميعهم إنه لم يتم قتل صحافي أو كاتب في سورية، وهذا أكبر دليل على الحرية فيها.
حين يكون الميت شاباً سورياً مجنداً في النظام، تنهال التعازي عليه والعبارات التفخيمية، والكل يهنئه بالشهادة أي بالموت، إذ لا تقدّر سورية سوى الأموات، وكل نشاطاتها الإجتماعية: التعازي. أسراب من النساء الغاطسات في السواد ذاهبات آيبات إلى التعازي. والتلفزيون السوري يتحدث عن كوكبة من الشهداء، حيث نرى أكثر من عشرين تابوتاً يحملها زملاؤهم المجندون إلى مقبرة جماعية، وكل واحدٍ من هؤلاء الأموات يحمل لقب الشهيد البطل. يا لمسرح اللامعقول، من يقبل أن يبادل الحياة من أجل لقب الشهيد البطل؟ الكل يزغرد فرحاً بوطنية شبان سورية، حتى أهالي هؤلاء الشبان. تخيلوا أماً استشهد ابنها تزغرد فرحاً، وتقول إنها تتمنى لو يستشهد ابنها الثاني وحتى الثالث في سبيل الوطن.
لا أتعجب أن يصل السوري المذعور والمروّع من عيشه الذليل، ومن الفروق الطبقية المقرفة، إلى تلك المرحلة من الجنون والاختلاط الذهني، ففي شارع الصليبة، ذي الأغلبية السنية، تجد مشهدا مُروعاً، ألوفا من النساء والرجال والأطفال يقفون أمام طاقة بمساحة وجه إنسان، ليشتروا الخبز. وفي شارع آخر، يطل على البحر ومنتجع الشاطئ الأزرق، تجد أن سعر أجرة الشالية، الأقرب إلى البحر، 140 ألف ليرة سورية في اليوم. وكل الشاليهات محجوزة. وأمام تلك اللوحة، أو جزء منها، تغدو كلمة ثورة جريمة، ويلومني ويعنفني عليها ضابط الأمن طويلاً.
أيه خسارةٍ أكبر: أن يموت شبان سورية، سواء من اضطروا لأن يلتحقوا بالجيش، لأنهم لم 
يتمكّنوا من الهروب من الموت، أو دفع المبالغ الطائلة للمهربين، أم من اعتقلوا وماتوا تحت التعذيب في أقبية النظام؟ أليسوا كلهم شباباً يشتهون الحب والزواج والأولاد والرقص والقراءة والفرح.
صديق صيدلاني، ولديه شابان جامعيان هربا من الجندية إلى السودان. سألته: ألم يجدا مكاناً آخر سوى السودان؟ فقال: لا. لأننا في حرب مع تركيا، ولن يتمكّنا من الهرب إليها، وصار المهرّبون يطلبون مبالغ خيالية، والدول الأوروبية لم تعد تقبل لاجئين، ووحدها السودان تقبل أن تستقبل أيقونة العصر في المأساة: السوري. وأخبرني أنه يوم سافر ولداه أصيب بمرض السكري.
هل من أفق للحل في سورية، وقد انفصم الشعب في الداخل إلى قسمين متنافرين: مُروّع من الأمن وهو الأكثرية، ولا يجرؤ أن يكتب أكثر من "الله يرحمه" على القتيل في فرع المخابرات، ومن دون أن يجرؤ على الإشارة إلى الفاعل. والقسم الآخر مبتلى بأنه لم يستطع أن يهرّب أولاده خارج سورية، فحملوا البندقية رغماً عنهم، ليدخلوا في حربٍ تشترك فيها عدة دول على الأرض السورية.
صدقاً، أحس بسعادة من نوع خاص، وهي سعادة النبذ، حين ينبذك من كنت تعتقد أنهم أصدقاء، لمواقفك وجرأتك في قول الحق، ويعتبرونك أبله، لأنك تتجرّأ، وتستعمل لسانك في وظيفةٍ غير تقليب اللقمة من جهة إلى جهة. الكلام. الحل الوحيد للظلم سيبدأ بالكلام، لأن الحق يحرّركم، كما قال المسيح.