رهاب قضية المعتقلين في سورية

11 اغسطس 2019
الصورة
كان سوري يعمل محاسباً لعدة شركات وفنادق في حلب. وكان بارعاً في عمله ونظيف اليد. اضطر بسبب جحيم حلب ودمار منزله أن ينزح إلى اللاذقية مع أسرته. سكنوا حارة شعبية وفي بيت بائس. وبحث عن عمل طويلاً، ثم عمل محاسباً في منتجع سياحي في القرداحة، يملكه أحد فاحشي الثراء، وتشرف على إدارة العمل زوجته. وقّع المحاسب الحلبي عقد عمل مدته ستة أشهر مع السيدة مقابل مبلغ مُعين. وكان يومياً يسافر إلى القرداحة بالحافلات المهترئة، بعد أن اضطر أن يبيع سيارته، وزاول عمله بضمير عال وحماسة وإخلاص. وقبل نهاية العقد بيومين، أرسلت السيدة في طلبه، وأبلغته أنها ستستغني عنه. فوجئ الرجل، وأبلغها أنه لم يبق إلا يومان حتى ينتهي العقد، وأنه ينتظر بقية أتعابه، فيما لم تدفع له إلا عُشر المبلغ. لم ترد، بل ضغطت على جرس بجانب مكتبها فدخل رجلان عريضان وقويان، وانهالا ضرباً وحشياً على المحاسب الذي عاد إلى بيته محطماً، ثم أصابته نوبة قلبية. ولا يمكنه أن يشكو ما حصل معه لأحد. نصحه المقرّبون منه بالخرس، بل حذّروه من أن القادم أعظم لو اشتكى على السيدة وزوجها الملقب بـ "ملك الحديد". لم يكن هناك واحد في سورية قادر على تشجيع المحاسب أن يرفع دعوى، أو يقدم شكوى، فملك الحديد وزوجته فوق القانون والمحاسبة.
حادثة ثانية، قتل شاب جامعي معروف بذكائه، بل وبعبقريته، تم تهشيم رأسه بوحشية، من دون سبب معلوم، ولكن تردّد أنه عرف معلومات خطيرة. ذهب كثيرون لتعزية أمه المذهولة من الألم، وخاف آخرون من أن يعزوا، لأن من قتلوا الشاب شلة من الزعران الشبيحة الذين يعملون لصالح مسؤول كبير.
ثمّة وقائع كثيرة مشابهة للحادثتين في اللاذقية وغيرها من المدن السورية، مدفونه عميقاً، والذعر يمنع الناس حتى من التحدّث عنها. كم من الشبان خطفوا في اللاذقية وغيرها، ودفع أهلهم ملايين الليرات، لفك أسرهم، ولم يجرؤ أحد أن يشتكي، والكل يعرف من هم الخاطفون، وخصوصا ملك عمليات الخطف الذي قُتل في كسب.
أي حياة هذه في اللاذقية، يحاول الناس إقناع أنفسهم بأنها حياة، وبأنهم ينتقدون الفساد، 
ويطرزون كل يوم كتابات ناقدة للدولة على "فيسبوك"، ومواقع التواصل الاجتماعي. وبلا مبالغة أو سخرية، سقف معظم نقدهم هو وجود محرقة للزبالة التي تصدر أبخرة مسرطنة للناس. المُخزي أن ثمّة مثقفين ويطرحون أنفسهم صوتا للشعب وضميره، لكنهم لا يسمون الأشياء بمسمّياتها. لا أحد منهم يجرؤ على التحدّث عن قصة محاسب حلب الذي أشبعه ضرباً شبّيحةٌ ولم يعطوه أجرته، ولا عن الشاب الجامعي الذي هشّموا رأسه، لأنه عرف ما لا يجب معرفته. ولا أحد من هؤلاء المثقفين يدافع عن قضية المعتقلين عن سجناء الرأي، عن شبّان آمنوا بأحلامهم، لكثرة ما ردّدوا على عقود: وحدة، حرية، اشتراكية. كان مصير الشبّان الذين آمنوا بالحرية وبإمكانية تحقيقها السجن والتعذيب والموت تحت التعذيب، وقمّة الرفاهية أن تسلم الأجهزة الأمنية جثثهم إلى أهاليهم.
لا يجرؤ أحد في الداخل السوري أن يتحدّث بشجاعة وضمير عن المعتقلين. ثمة من ينتقدون قوانين ووزراء والزبالة وشح الراتب، يكثرون نشر صورهم. يتبجحون بقراءاتهم وموسيقاهم، يصورون طفلاً متسولاً في الطريق، ويبكون على أطفال سورية. وهناك من يغرقنا بالنصائح الطبية من أجل جسد سليم وطعام صحي، كأن المواطن السوري يملك ثمن الطعام، وهو الذي بالكاد يشتري الخبز لأولاده.
في عزاءٍ لشاب في العشرين، مات تحت التعذيب في السجن، قالت أمه (تسكن اللاذقية) إن أجهزة الأمن اتصلت بزوجها، وطلبت منه أن يحضر إلى دمشق من أجل ابنه. اعتقد المسكين أن ابنه حي. وبعد سفر سبع ساعات إلى دمشق بسبب الحواجز الأمنية، فوجئ بأن ابنه مات، وقالوا له إن السبب سكته قلبية. عرض عنصر من المخابرات للأب المنكوب صور شبانٍ موتى مشوّهي الوجوه من التعذيب. لم يتمكّن الأب من التعرّف إلى ابنه، فاتصل بزوجته وسألها عن علامة فارقة في وجه ابنه، فصرخت به: هل نسيت ابنك.. حاجباه مقفولان. وشاهد الأب صورة كتلة متورّمة مزرقة ومنتفخة، ولكن بحاجبين مقفولين، وزعم أنه على الأغلب ابنه، وطلب تسلم الجثة، فأبلغوه أنهم دفنوا ابنه نيابةً عنه.
سمع المعزّون القصة، ولا أحد يجرؤ أن يحكي عنها علناً، وربما سرّاً، إذ صار السوري يخشى من خياله، ويشك بصورته في المرآة. ما قيمة مثقفٍ لا يتبنى قضية المعتقلين. المثقف الحقيقي، كما قال ألبير كامو، هو من يتمتع بشرف الكلمة. أما من يعتقد أنه يفيد المواطن بصنوف الأكل الصحي وطرق الرياضة والوقاية من الأمراض، وأضرار عمليات نفخ الشفاه والخدود.
تعليق: