عن التعليم الجامعي في سورية

عن التعليم الجامعي في سورية

30 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
انتحر، أخيرا، عدة طلاب في سورية، في أثناء امتحانات البكالوريا (الشهادة الثانوية)، بسبب التوتر النفسي الكبير من أجوائها. وتكاد تخلو صفوف البكالوريا في سورية تماماً من الطلاب، فهم يعتمدون على الدروس الخصوصية في كل المواد. ويرزح أهاليهم تحت عبء مادي كبير، ويأخذ بعضهم قروضاً من البنوك لتسديد أجور المدرسين الخصوصيين، وهناك من يبيعون أثاث منازلهم. وتعرف وزارة التربية والتعليم العالي هذا الوضع المخزي لصفوف البكالوريا. ويقصد طلاب، المعاهد الخاصة التي تتطلب مالاً، غالباً ما يعجز الأهل عن تسديده. ومن الغرائب أن هنالك أساتذة خصوصيين ليس لشرح الدروس، بل يسمّعون للطالب الدروس. 
أصبح هذا الوضع الشاذ والخاطئ لصف البكالوريا في سورية واقعاً، والغاية أن يحصل الطالب على علاماتٍ عالية، تخوّله دخول الجامعة المجانية أو شبه المجانية للدولة، ولكن دخول كليات الطب البشري أو الهندسة أو الصيدلة أو طب الأسنان يتطلب مجموعاً عالياً شبه تام، لا تستطيع إلا قلة نادرة من الطلاب تحقيقه، فلا خيار آخر أمامهم سوى الجامعات الخاصة فاحشة التكاليف، والتي لا يقدر على أقساطها إلا أصحاب الملايين. وكم من طالب وطالبة خابت آمالهم وتحطمت معنوياتهم بسبب عدم قدرة أهلهم على إلحاقهم بجامعة خاصة. وبمعرفتك متوسط دخل المواطن السوري الموظف في الدولة (بين 30 ألف ليرة سورية و40 ألفا)، تدرك استحالة أن يتمكّن هؤلاء (وهم الأغلبية) من إلحاق أولادهم بالاختصاص الجامعي الذي يرغبون. ولو سألت أي طالب بكالوريا في سورية عما يريد أن يدرس، لأجابك بأن ذلك حسب مجموع علاماته، فالرغبة والميل مُغيبان تماماً في سورية. وكم من طلاب اضطروا إلى أن يدرسوا اختصاصاتٍ لا يطيقونها مجبرين، بسبب المجموع الذي حققوه.
وضع التعليم في سورية سيئ، بل كارثي، وتتحمل الدولة، خصوصا وزارة التربية والتعليم العالي، إصلاح هذا الخلل والوضع الشاذ. أين المفتشون التربويون في الدولة؟ ألا يجولون على المدارس ويجدون صفوف البكالوريا خالية من أي طالب! كيف يسكتون على هذا الفساد؟ لماذا
يتواطأ مديرو المدارس مع الفساد، ويصمتون تجاه هذه الظاهرة الخطيرة؟ والتعليم الجامعي في الجامعات السورية الحكومية كارثي أيضا. يفوق عدد الطلاب في بعض الاختصاصات 1500 طالب أو 2000، ولا تتسع لهم قاعة في الجامعة، ولا تنتظر هؤلاء فرص عمل. وفي أحسن الأحوال، من يحصل على وظيفة يكون راتبه بين 30 ألف ليرة و40 ألف ليرة سورية، أي بالكاد يتمكن الموظف الجامعي من شراء الخبز.
درّس مادة التشريح في كلية الطب البشري سنوات أستاذ جامعي مختص بالطب البيطري، وكان يخطئ أحياناً، وتنفلت منه كلمات ليست في موضعها، بينما طرد من الجامعة أهم أستاذ تشريح في كلية الطب البشري، بسبب موقفه السياسي المعارض، وتم قطع رزقه. وحين حصل على عقد عمل في جامعة خاصة، ليعيل أسرته، ضغطت الأجهزة الأمنية على هذه الجامعة، وأنهي عقد العمل الخاص به.
وتفتقد الدراسة الجامعية لأهم عنصر، وهو البحث العلمي، فحين كنت طالبة في كلية الطب، كنا ندرس المواد من تشريح إلى مادة الجراحة إلى مادة الطب الباطني.. إلخ، كان بعض الأساتذة يحذفون لنا صفحات كثيرة من الكتب، مثل مادة الجراحة العصبية، حيث حذف لنا الأستاذ حوالي نصف الكتاب. ويومها تساءلنا: لو راجَعنا مريض مصاب بمرض محذوف ماذا سنفعل؟ وكانت طاقاتنا الفكرية وجهودنا العقلية والحفظية تضيع في حفظ ما لا نحتاجه أبداً في حياتنا العملية. وكان علينا أن نحفظ نقاطا لا تفيد الطالب بشيء، وتهدر طاقاته. والكارثة الأكبر كانت في قرار الدولة تعريب الطب، فأصبح اسم غضاريف الحنجرة الغضروفين الطرجحاليين... من أين اشتقت كلمة طرجحالي، فيما هي ليست موجودة في القاموس اللغوي العربي؟ وكنا نحفظ هذه المصطلحات المُعرّبة، كما لو أننا نحفظ مصطلحات باللغة الصينية.
كم تضيع جهود الطلاب هدراً في سورية، وكم يعاني الطلاب والأهل من رهاب البكالوريا، وتخيب أحلام ملايين الطلاب بدراسة الاختصاص الذي يرغبون، لأن فاحشي الثراء وحدهم قادرون على أن يدفعوا أقساط الجامعات الخاصة. أما شعار محاربة الفساد في سورية، فلا يطاول الجهاز التعليمي.