سورية: عدم تنفيذ روسيا تعهداتها يعرّض أستانة 3 للتأجيل

12 مارس 2017
الصورة
سيارة تحترق جراء غارة للنظام على دوما(عبد دوماني/فرانس برس)
+ الخط -
حسمت الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية أمرها من مسار أستانة التفاوضي. وأعلنت أن ذهابها مرة ثالثة إلى العاصمة الكازاخية محدد بالالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، وإيقاف التهجير القسري والتغيير الديمغرافي الذي يمارسه النظام وحلفاؤه بحق السوريين. ووجه وفد الفصائل المفاوض نقداً لاذعاً إلى الجانب الروسي، في وقت يشهد الملف السوري تطورات وتجاذبات سياسية، تبرز مرة أخرى عجز القوى الإقليمية والدولية عن الوصول إلى مشتركات ربما تدفع باتجاه رفع سقف الآمال بتحقيق اختراق هام في الجولة الثانية من جنيف 4 بعد عدة أيام.

وبرز أمس السبت تطور مفاجئ يبرز حالة استياء فصائل المعارضة السورية المسلحة من تخلي الروس عن التزاماتهم حيال اتفاق وقف إطلاق النار، إذ أكدت هذه الفصائل أنها لن تذهب الى "أستانة 3"، المرتقب في 14 مارس/آذار الحالي في العاصمة الكازاخية، إلا إذا تم تثبيت وقف إطلاق النار، وإيقاف عمليات تهجير السوريين المستمرة في عدة مناطق، آخرها في حي الوعر الحمصي. وطالب وفد قوى الثورة السورية العسكري، في بيان السبت، بـ"تأجيل موعد لقاء أستانة إلى ما بعد نهاية الهدنة المعلنة من 7 إلى 20 الشهر الحالي"، مؤكداً أن "استمرارية الاجتماعات ترتبط بتقييم نتائج وقف إطلاق النار والالتزام به"، مشترطاً "استكمال مناقشة وثيقة آليات وقف إطلاق النار قبل الذهاب إلى أستانة، كما كان متفقاً عليه في أنقرة". ووجه وفد قوى الثورة العسكرية نقداً لاذعاً إلى الجانب الروسي، مشيراً إلى أن موسكو لم تف بالتزاماتها كضامن للنظام في اتفاق التهدئة الذي دخل حيّز التنفيذ في 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، لجهة الإفراج عن آلاف السوريات المعتقلات لدى النظام. وأشار إلى أن ما سماه بـ "نظام الاستبداد" استمر و"بدعم إيراني، متمثل بمليشيات المرتزقة الطائفية" في قصف المناطق السورية "تحت مرأى ومسمع الضامن الروسي"، مضيفاً "نحن نعلم أن طائرات النظام لا يمكن لها التحليق في الأجواء السورية من دون موافقة قاعدة حميميم"، مشيراً إلى أن الطائرات الروسية هي الأخرى "مستمرة في تنفيذ غاراتها على المدنيين".

وكان وفد قوى الثورة العسكري قد سلّم الجانب الروسي ورقة تتضمن 27 بنداً لتثبيت اتفاق التهدئة، وعد الجانب الروسي بدراستها وتقديم ردود عليها قبل السادس من الشهر الماضي، إلا أن وفد المعارضة لم يتلق رداً عليها حتى الآن. وأكد القيادي في "لواء شهداء الإسلام"، النقيب سعيد نقرش، والذي كان فاعلاً في داريا وعضو وفد الفصائل، أن ما يجري في حي الوعر ليس وحده ما دفع الفصائل لاتخاذ قرار عدم التوجه الى أستانة إلا بشروط. وقال نقرش، لـ"العربي الجديد"، هناك الهجوم المتواصل على حيي القابون وبرزة في خاصرة دمشق الشمالية الشرقية، إضافة إلى قصف النظام لغالبية المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة. وكانت مصادر في وفد المعارضة السورية إلى جنيف قد أكدت أنها سلّمت وزير الخارجية الكازاخي، خيرت عبد الرحمانوف، على هامش الجولة الأولى من جنيف 4 مذكرة احتجاج على الخروقات المستمرة من قبل قوات النظام، والمليشيات الطائفية، مشيرة إلى أنها أبلغت المسؤول الكازاخي أن مسار أستانة "كله في خطر" إذا لم يتم تثبيت اتفاق التهدئة.

من جانبه، أكد المستشار السياسي لوفد قوى الثورة العسكري، يحيى العريضي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما ورد في بيان الوفد السبت ليس شروطاً بل محددات للعودة إلى أستانة، مضيفاً "نحن ندعو إلى تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت روسيا ضامنة فيه"، مشيراً إلى أن النظام وحلفاءه لم يلتزموا فيه. وتصرّف النظام طيلة الفترة التي دخل فيها اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار وكأنه لم يكن، فاستمر في نهجه بتهجير المدنيين في عدة مناطق، خصوصاً في محيط دمشق، كما ارتكب عدة مجازر، وضيّق الخناق على حي الوعر، آخر معاقل المعارضة في حمص، لتهجير أهله تحت رعاية روسية مباشرة. ويسعى النظام إلى قضم كل المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة، مستغلاً عدم شمول اتفاق وقف النار "جبهة فتح الشام"، فيشن هجمات واسعة النطاق بحجة محاربة "الجبهة"، رغم تأكيد المعارضة أنه لا وجود لمقاتلي "جبهة فتح الشام" في دمشق وريفها وفي حمص وريفها. واللافت أن موقف الفصائل المسلحة من "أستانة 3" تزامن مع زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان إلى روسيا، للتباحث بقضايا من شأنها تغيير الخارطتين السياسية والعسكرية، خصوصاً ما يخص مصير منبج، ومعركة الرقة، في ظل انقسام حاد في مواقف اللاعبين الكبار على الساحة السورية.


وأكدت مصادر في المعارضة السورية المسلحة أن موقف وفد قوى الثورة العسكري لا يعني التخلي عن خيار الحل السياسي للقضية السورية، مشيرة إلى أن الوفد ذهب مرتين إلى العاصمة الكازاخية للتأكيد على ذلك. وأضافت، في حديث مع "العربي الجديد"، لم نلمس أي تغيّر في الموقف الروسي، بل على العكس لم يلتزم بتعهدات قطعها، ومارس التسويف فترة طويلة، وحاول دفع الفصائل إلى تشكيل منصة سياسية لتشتيت المعارضة وإظهارها، أمام المجتمع الدولي، منقسمة على نفسها. وأشارت المصادر إلى أن النظام وحلفاؤه اتخذوا من أستانة مجال خداع جديد لمتابعة سياسة التهجير الممنهج، والسيطرة على مناطق المعارضة.

بموازاة ذلك، برز تطور آخر على المسار السياسي قبيل انعقاد جولة ثانية من جنيف 4 في 23 مارس/آذار الحالي يشي بحدوث تبدل في موقف المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا لجهة مرجعيات التفاوض، خصوصاً القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وتحدث المبعوث الأممي، للمرة الأولى، عن استحالة "إجراء انتخابات في سورية في ظل النظام الحالي"، مشيراً، في مقابلة تلفزيونية من نيويورك الجمعة، إلى أن مسألة الانتقال السياسي ما زالت في صلب مفاوضات جنيف، مؤكداً أن الأجندة التي أعدتها الأمم المتحدة قائمة على القرار 2254، موجهاً اتهامات للنظام بارتكاب مجازر بحق آلاف المدنيين. واعتبر دي ميستورا أن تخفيف العنف سيساعد في محادثات جنيف للتوصل إلى حلول سياسية للقضية السورية. ورفض مصدر رفيع المستوى في الهيئة العليا للمفاوضات التعليق على تصريحات دي ميستورا، مكتفياً بالقول: لقد سمعنا هذا الكلام سابقاً من دي ميستورا، لكن من دون نتائج ملموسة. وأكد أحد مستشاري وفد المعارضة إلى مفاوضات جنيف أن الموفد الأممي يسعى إلى "تحريك عجلة المفاوضات المتوقفة بسبب التعنت الروسي والإيراني"، مضيفاً، في حديث مع "العربي الجديد"، إن النظام وحلفاءه "واهمون إذا كانوا يظنون أن ألاعيبهم تنطلي علينا"، موضحاً أن ما سماه بـ"العهر والنفاق الدولي" قد "تجاوز كل الحدود". وأشار إلى أن "وزر روسيا وإيران، ونظام الأسد أثقل من أن يحمله المجتمع الدولي على كتفيه"، مضيفاً "لن تمر هذه الجرائم التي ارتكبت ضد السوريين".

وتوقع المصدر أن يكون لموقف وفد قوى الثورة العسكري من "أستانة 3" تأثير كبير على جنيف 4، متسائلاً كيف يطرح النظام وحلفاؤه ملف الإرهاب في سورية ومحاربته، وهم لم يدفعوا باتجاه تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار مع المعارضة التي يتفاوضون معها؟!.. مشيراً إلى أن ذلك "يدلل على أنهم يناورون بدماء الشعب السوري وهذا لن نقبل به". وتجري المعارضة خلال الفترة التي تسبق الجولة الثانية من جنيف 4 عملية مراجعة وتقييم للجولة الأولى والاستعداد للجولة التالية. وقالت مصادر في الائتلاف الوطني السوري، لـ"العربي الجديد"، إن الهيئة السياسية في الائتلاف تعقد اجتماعات لـ"مناقشة تطورات المشهد السياسي، خصوصاً مفاوضات جنيف" في 15 و16 الشهر الحالي في مدينة إسطنبول التركية. وتسبق هذه الاجتماعات اجتماعات مماثلة تجريها الهيئة العليا للمفاوضات المشرفة على مفاوضات جنيف في 17 و18 مارس/آذار، على أن يصل وفد المعارضة في 20 الشهر لإجراء لقاءات "تمهيدية" قبيل الجولة الثانية من جنيف 4 مع وفد النظام.