سنوات الرصاص: فنّ مقابل الجمر

14 ديسمبر 2015
الصورة
مشهد من مسرحية "شجر مرّ"
+ الخط -
انقضتْ حقبة "سنوات الجمر والرصاص" في المغرب، في تسعينيات القرن الماضي، بعد إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة التي كرست جلسات استماع للمعتقلين السياسيين. ومن المعروف أن ثمة وفرة في الكتابات الأدبية، روايات وقصصاً من ناحية، الكتابات الموثقة مثل الشهادات واليوميات والسير الذاتية من ناحية أخرى، لكنها كلّها تندرج تحت عنوان أدب السجون في المغرب. ولئن كانت تلك الكتابات تنوس ما بين التوثيق والإخبار، فقد مثّلت على الدوام منبعًا ومصدرًا لفنين اثنين : المسرح والسينما.
ومن أجل سبر الأمر بطريقة منهجية، نظّم المركز الدولي لدراسة الفرجة بالاشتراك مع مجموعة الأبحاث والدراسات السينمائية والسمعية البصرية، ندوة تحت عنوان :"سنوات الجمر والرصاص بين المسرح والسينما"، في مدينة تطوان مؤخرًا.
ويبدو أن الكتابة المسرحية ارتبطت إلى حدّ ما بالكُتّاب، الذين تعرضوا للعنف مباشرة أو تصوروه وكتبوا عنه شهادات ويوميات أو أشعاراً وأشكالاً تعبيرية أخرى، كما جاء في مسرحية "كرنفال" لمحمد بنيوب، فهذا الأخير الذي عاش تجربة الاعتقال عن بعد، إن أمكن القول، فقد اعتقل أحد أفراد عائلته. وقد عالج هذا الأمر الباحث عبد اللطيف شهبون قائلًا: "نعالج النص المسرحي لماضي الانتهاكات، من خلال الصلة بين القضية والأشكال التعبيرية، التي ما زالت تسعى إلى نقل الرسالة إلى المتلقي"، وتخضع عملية النقل برأيه إلى ضوابط وشروط جمالية، على اعتبار أنها نصوص كتبت بصدق نفسي وعاطفي وتحمل وعيًا كبيرًا"، معتبرًا أن الكتابة المسرحية تؤلّف بين التجربة الإنسانية والممارسة الفكرية، في إطار أدب السجون، لكن ينقصها التوثيق والمأسسة والتصنيف وإدراجها في البحث العلمي، حيث إن الإنجاز على هذا الصعيد موسوم "بالاختزال" وتجب إعادة النظر فيه.
وتحدث محمّد قاوتي عن تجربة كتابته لمسرحية "نومانسلاند"، في ظلّ الرقابة والمراقبة التي كان يفرضها النظام على المثقفين خلال سنوات الرصاص والجمر تلك، الأمر الذي أدّى إلى ولادة النص غامضًا وقائمًا على التأويل وصوفيًا، إذ تدور أحداثه في زنزانة تضمّ أربعة أشخاص يعيشون ليلًا دائمًا. ومما جاء في مداخلته أن :"الكاتب يجب أن يؤمن على خروج نصه، ويضمن عدم الاصطدام مع النقيض، أي أجهزة المراقبة".
وبدا لافتًا، بالنسبة للبحث في الندوة، العرض المسرحي "شجر مر"، لناحية تقديمه مرتين: في المرة الأولى استوعبت شهادات الكثير من المعتقلين السياسيين من أجل "إرضائهم" عام 2004 ، وبالتعاون مع هيئة الإنصاف والمصالحة. أمّا في المرّة الثانية فقد خضع العرض للتنقيح والتطوير وبلورة مختلفة برؤية وأسلوب جديدين. يقول مخرج العرض عبد المجيد الهواس: "أتاحت لنا إعادة التجربة الأولى، إعادة النظر في معاقبة الجلاد أو الانتقام من بشاعة أدائه القذر، ونوعًا من محاولة استيعاب المرحلة وقراءة آثارها على هشاشة الإنسان". وتابع قائلًا : "لقد اعتبرنا منذ البدء أن معالجة موضوع الاعتقال السياسي في المغرب بطريقة مباشرة وتقريبية، تسيء إلى المأساة وإلى طموحاتنا الفنية. وتأسس اشتغالنا على (شجر مر) على الجماليات وتعدد الوسائط. وقد تبنينا أسلوب التأليف المسرحي البصري، أثناء عملية الكتابة بحيث يشكّل كل عنصر تقني وفني داخل العرض، لغة تحمل دلالة أبعد من الحدود الجمالية". وقد انعكس ذلك على ما يبدو في اللجوء إلى الرقص التعبيري والموسيقى في العرض، ويعلّق المخرج على ذلك : "ارتأينا أن يكون العرض فنيًا يشارك فيه الفنانون
بأصواتهم وأجسادهم وقناعاتهم، بتأويل تأثير تلك الحقبة عليهم، عبر تشكيل مشاهد تعبيرية يتداخل فيها التعبير الجسدي والفني، بالغناء وبتشكيل العناصر السينوغرافية الكامنة بإيحاءاتها الرمزية، التي استلهمنا معظمها من أعمال الفنان التشكيلي الإسباني كانوفال، الذي يزاوج بين الرسم والنحت، ليُحدث تلاقحًا في اللوحة بين البعدين المسطحين والبعد الثالث".

اقرأ أيضا: أدب السجون بالمغرب.. للحقيقة وجهان

وإن كانت الرقابة وتجربة الاعتقال عن بعد، والاستناد إلى التعبير الجسدي، هي من الأمور التي يُمكن عبرها لمس إضافة المسرح لنصوص أدب السجون المغربي، إلا أن السينما التي قاربت هذا الأدب، بدت في غالبيتها أدنى إلى السينما التوثيقية. فقد أفاد الناقد السينمائي، خليل الدامون، في ورقته "سنوات الرصاص: المعاينة والإشهاد" أن الأفلام التي تناولت توثيقيًا سنوات الرصاص، تفادى مخرجوها "الرجوع بها إلى الجراح وحقيقتها وقاموا بوصفها وآثارها على الحاضر والمستقبل. وأقصى ما قام به المخرجون المغاربة هو رد الاعتبار للمعتقلين السياسيين"، مردفًا في السياق ذاته أن "الأفلام التي تحدثت عن سنوات الرصاص، تعطي انطباعًا بوقوفها عند خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، ومطابقة بذلك مع ما وقفت عنده جلسات الاستماع التي عقدتها هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004".
وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد تبنى أفلامًا عديدة مثل : "طيف عامر ربيعة والآخرون" لأحمد بولان 2000، و"طيف نزار" 2001، "منى صابر" لعبد الحي العراقي 2001، و"جوهرة بنت الحبس" لسعد الشرايبي 2003، و"درب مولاي الشريف" لسعيد بنجلون 2004، و"أماكننا الممنوعة" لليلى الكيلاني 2008، و"نصف سماء" لعبد القادر المقطع 2014، و"ريف 57، 85" لطارق الإدريسي 2014. وقد أشار الدامون إليها بـ "أنها روائية في معظمها، باستثناء فيلم "أماكننا الممنوعة"، الوثائقي الذي يحجم عن الوصول إلى صلب القضية بكل أبعادها، بحيث "يشعر المشاهد أن عند وصول المعتقلين للحديث عن تجربتهم، تقطع المخرجة المشهد مستعيضة عنها بنوافذ وأبواب". كما يرى الناقد أنها أفلام "تبقى معبّرة عن وجهة نظرة مخرجيها وقراءاتهم الشخصية، ولم يجرؤ السينمائيون إلى الآن على إنجاز فيلم وثائقي يعالج تلك المرحلة بشكل دقيق وموضوعي، انطلاقًا من وثائق مكتوبة أو مرئية. وما أُنتج يتطرق إلى أدبيات المؤسسات التي تشرف على قضايا الاعتقال السياسي وتتمثل بالكشف عن آليات العنف في أثناء الاعتقال، ثم محاولة فهم ما جرى، ثم التأكيد على الرغبة في نسيان ما حدث وإجراء المصالحة".
أمّا مدير مركز دراسات الفرجة، خالد أمين، فقد أوضح أن جلسات الاستماع التي أدارتها الهيئة، جاءت على شكل "جبر الضرر من أعقاب العنف السياسي، الذي تمثل بالاختفاء القسري والتعذيب في سجون غير إنسانية إضافة إلى التحرش، ومع ذلك فإن سرد ذاكرة الصدمة أو الفاجعة للشهادات، وغيرها من أشكال البوح، يبقى غير مكتمل، ويظلّ مليئًا بالثقوب والصمت".

المساهمون