سلاطين أهل الكذب

11 أكتوبر 2019
+ الخط -

ماذا يمكنُ أن نقول عن صنف من الناس اعتادوا في طباعهم أن يكُثروا في معاتبتك، ويتوغلوا أكثر في تأليف الكذبة ومن ثم تبرير حدوثها والضرب بصورةٍ دائمة على الحافر، متناسين أنَّ المسمار هو الأولى بالضرب!

وأقفُ مندهشاً من ضعف حيلة هؤلاء الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يمكن أن نسميهم بسلاطين أهل الكذب والتفاخر به، والأنكى أنهم يُقَولونك كلاماً أنت في الواقع لم تقله، ولا تعرف عنه أيّ شيء بالمطلق، ولا أصله من فصله.

وفي الواقع يحاولون إقناعك بأنّك ذكرت ذلك الحديث وتلك الحكاية وأكدتها، في جلسة ما، وفي حقيقة الأمر أنهم يبالغون في إقناعك ويحاولون الإيقاع بك، ويصرّون على أنك سبق أن ذكرت لهم هذه الحادثة، ولكن بغير الصيغة التي أشرت إليها، وأنت في المقابل تنفي ذلك تماماً وتصرّ لهم بقولك إنّ ما ذكر لا صحة له بالمطلق، فضلاً عن أن ذلك الشخص يسوق عليك عبارات أنت لم يسبق أن ذكرتها أو تلفظت بها بالمرة.

هذا الشيء شمل في الواقع كثيراً من الصور في الحياة، وفي أكثرها يغلب عليه طابع الكذب والخداع. أمثال هذه الصور نراها كثيراً في مجتمعاتنا، وهي دائماً تصبّ في خانة الأنا، ويحركها العديد من الأشخاص المنتفعين الذين يباركون الكذبة ويصفقون لها بصورة غريبة ويبجّلونها ويصورونها لك على أنها الحقيقة بعينها، وهي في الواقع لا تروق لهم لا بخير ولا بشر، فضلاً عن تفاخر أمثال هؤلاء بأشياء هم بعيدون عنها تماماً.. ويحاولون الضحك على اللحى، ويمهّدون لصيد ثمين قد يُحقّق لهم منافع كثيرة. هذا سلوكهم، وهذا سبيلهم في علاقاتهم مع الغير.

هؤلاء الناس موجودون وبكثرة، ولطالما يقولون غير ما يتفوّهون به، وأكثر ما يمجّدون آباءهم وكل ما يتصل بهم، ويفاخرون بأنهم يختلفون تماماً عن الناس في كل شيء. هم هكذا جبلوا على حكايات غريبة، وهذا الافتخار غير المقنع الذي بحسبه يرون أنهم فوق الجميع وفي كل شيء، متناسين أنهم مكشوفون ويدرك الآخرون زيف قبعاتهم المزركشة وما يخفون تحتها.

 

حبل الكذب، وكما يقال، قصير. ارحمونا، كفاكم كذباً وزيفاً وادعاء ودجلاً وشعوذة على الناس. بصريح العبارة، إنّكم منافقون كذّابون. اتقوا الله في أنفسكم، فالناس ليسوا بحاجة لكم ولا لخدماتكم ولا لتعريفاتكم واختلاق العديد من صور الخداع ورسم الفنون التي تحاولون من خلالها إخماد صدق ورؤية كل مجتهد، وقتل كل من يشير إليكم بالكذب، لمجرد الإشارة!

أفعالكم صارت واضحة، وزيفكم كذلك. ماذا يمكن أن نقول عن أمثال هذه النُخبة، لا سيما وأنهم ما زالوا يعيشون، وللأسف، في برج عاجي وفي مجتمع فاسد، وهم كذلك، ويريدون من الناس أن يصدّقوا زيف ادعاءاتهم وكذبهم.

هذه الفئة تصرّ، وبكل وقاحة، على أنها تلتزم بالصدق ومعياره، وهو منها براء، وتنادي بثوبه وكل ما تقوله في إطاره العام لا يدل إلّا على الكذب والرياء والنفاق. وتظل حجتنا حيالهم هي أن نصدق ما يقولون ويتفوّهون به رغم كذبهم، لأنك لا يمكن أن تقنعهم بغير ذلك مهما رسمت لهم الصورة الصادقة وعلى أصولها وأشرت إليهم عن مكان الخطأ، وألوان الكذب الذي ينسجونه ويفاخرون به، وفوق ذلك تراهم فرحين بما يقولون، ومقتنعين بكذبهم، بل ويلحّون عليك على ما يتفوّهون به، ويجادلونك بأنه الحقيقة ولا غير سواها ولا مجال البتّه إلى تكذيبهم، أو إطلاقك صافرة الإنذار التي تدلّ على أن ما يبوحون به مجبول بالكذب والخدع والزيف إلى حد النخاع!

قوام هذه الأكاذيب والخدع التي صارت تواجهنا أصبحت بمثابة نقاط قوّة للكثير ممن يحدوهم الأمل بالوقوف دقيقة صمت حيال هؤلاء الذين أكثر ما يهمّهم اختراع الكذبة، وتلوينها وزخرفتها وتمحيصها وغربلتها بشكلٍ جيد قبل أن يقوموا بقذفها وإلقائها أمام الناس الذين يصفقون لهم، ويلي ذلك تبريرها ويعرفون تماماً أن ما يبوحون به ليس له من الصدق بشيء.

إنّه الكذب، يرمي وبكل ثقله لأجل إقناع زيد وعمر من الناس، والأنكى من ذلك كلّه أن يفاخر به ويؤكد لك أن ما يقوله هو الصحيح بعينه، وما تدلي به له وتذكّره به لحظة وقوعه هو خارج مساره، ولا يمكن أن يأخذ به أو أن يُصدقه، على الرغم من أنه هو الصدق بعينه.

تبرّم هذا الشخص على هذا الشيء صار ملهاته وسلوته في ما يقول ضارباً بذلك عرض الحائط كل المثل والقيم والأعراف السائدة والوقائع التي تشير إلى أن ما يتحدّث به ويزعم لا علاقة له بالصدق.

وكم من أمثال هؤلاء الناس الذين يغنون به تراهم متوافرين وبكثرة في مجتمعنا. إنهم مثال الهمّ على القلب، ويغالون في تمسيح الجوخ، ويقلبون الحقائق رأساً على عقب، ويحاججونك على قول لم تقله، أو تصرف لم تقم به، وفوق ذلك يحلفون بأغلظ الأيمان أنك تصرفت خلاف ما ذكرت. ويدسّون لك السُم في الدسم، بل يؤكدون ويؤيدون كذبتهم.

هذه طينتهم اللعينة، وهذه حجتهم. الأهم أنّهم يواجهون ما يزعمون وبالقوة إذا لزم الأمر، ويغالون في كذبهم، ومهما دافعت عن حجتك وصدقك، إلّا أنّهم يظلون متشبّثين بموقفهم ويصرّون على كذبتهم وتلميعها، وتخرج بالتالي من المولد بلا حمص.

تظلّ الغلبة لهم، وهم الأصدق في ما يقولون، ولا يمكن أن تثير فيهم نزعة ما حيال موقف أو حدث ما، وهذا ما يجسّدونه ويتحدثون عنه باستمرار. فهم منزّهيون عن أيّ شيء غير ذلك.. ما العمل؟!