سفير مغربي جديد في الجزائر: نحو صفحة جديدة بالعلاقات؟

سفير مغربي جديد في الجزائر: نحو صفحة جديدة بالعلاقات؟

09 يوليو 2020
الصورة
تبقى قضية الصحراء أبرز الملفات الخلافية (فضل سنا/فرانس برس)
+ الخط -

في حمأة التوتر الذي تعيشه العلاقات بين الرباط والجزائر منذ أسابيع، برز أخيراً حدثان مهمان في دلالاتهما السياسيّة، أولهما تأكيد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن بلاده سترحب بأي مبادرة يتخذها الجانب المغربي لحلحلة الأزمة القائمة بين البلدين، والثاني تعيين العاهل المغربي الملك محمد السادس، الإثنين الماضي، سفيراً جديداً للمملكة لدى الجارة الشرقية.
وتبدو مهمة السفير المغربي الجديد محمد آيت واعلي، الذي خبر العمل الدبلوماسي بعد أن تدرج في مناصب المسؤولية بوزارة الخارجية والتعاون لثلاثة عقود، صعبة بسبب العلاقات المتوترة منذ سنوات والجمود الدبلوماسي الذي يطبعها.

تبدو مهمة السفير المغربي الجديد محمد آيت واعلي، صعبة بسبب العلاقات المتوترة منذ سنوات
 


وفي الأشهر الأخيرة، لا تلبث العلاقات الجزائرية المغربية أن تتلمّس طريقاً لحل الخلافات، حتى تعيد التصريحات السياسية الأزمة إلى نقطة الخلاف الحاد. آخر المعارك الدبلوماسية بين البلدين، اندلعت في يونيو/حزيران الماضي، بعد استدعاء الخارجية الجزائرية السفير المغربي في الجزائر حسن عبد الخالق، للاحتجاج على تصريحات منسوبة للقنصل المغربي في وهران، أحرضان بوطاهر، خلال لقائه رعايا مغاربة أمام مقر القنصلية للمطالبة بترحيلهم إلى المغرب، حين وصف الجزائر بـ"البلد العدو"، ما اعتبرته الدبلوماسية الجزائرية تصرفاً غير مقبول ومخالفاً للأعراف الدبلوماسية، وطالبت الرباط باتخاذ الإجراءات اللازمة في حقه.
كما أدخلت الاتهامات التي أطلقها المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الجزائرية، محند أوسعيد، العلاقات بين الرباط والجزائر في نفق الأزمة مجدداً، بعد أن قال إن بلاده طالبت فعلاً بترحيل القنصل المغربي أحرضان بوطاهر، بعد الجدل الذي أثير حول تصريحه، مضيفاً أن "هذا تصرف لم يكن مستغرباً إذا علمنا أنه ضابط مخابرات عُيّن قنصلاً في وهران لأسباب أخرى، وهذه صفحة طويت في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين". واعتبر أن "هناك لوبيات فرنسية معروفة وذات مصالح مرتبطة بأطراف موجودة في المنطقة تكنّ حقداً للجزائر". وأشار إلى أن هذه "اللوبيات لم تهضم استقلال الجزائر، وكلما ظهرت علاقة أحسن في الأفق ظهرت هذه اللوبيات للتشويش على كل خطوة بناءة".
وعرفت العلاقات المغربية الجزائرية مطبّات كثيرة منذ عقود، بدءاً بحرب الرمال في ستينيات القرن الماضي، مروراً بتأسيس جبهة "البوليساريو"، واتهام الرباط للجزائر بتقديم الدعم للجبهة، فيما تعتبر الجزائر القضية مسألة أممية. وفي الوقت الذي تحسنت فيه العلاقات الثنائية بين البلدين في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن حادثة تفجير فندق أسني في مراكش سنة 1994 جمّدت العلاقات بين البلدين الجارين منذ يناير/كانون الثاني 1995، بعد اتهام الرباط للجزائر بالتورط في التفجير، فيما ردت الأخيرة حينها بإغلاق الحدود البرية التي لا تزال مغلقة حتى اليوم.

ولم تؤدِ دعوة العاهل المغربي محمد السادس، التي تضمنتها برقية التهنئة التي كان قد وجهها إلى تبون في 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى "فتح صفحة جديدة" في العلاقات بين بلاده والجزائر وطيّ صفحة الخلافات، بعد اتهام الرئيس الجزائري ما سماه اللوبي المغربي-الفرنسي بعرقلة تطور العلاقات بين الجزائر وباريس، والحد من كل المبادرات خدمة لمصالح الرباط. كما أدخلت التصريحات السياسية، خلال الأشهر الماضية، العلاقات بين البلدين في مرحلة الأزمة، على خلفية موقف الجزائر من فتح دول أفريقية قنصليات في مدينتي العيون والداخلة (كبرى حواضر الصحراء).
في ظل هذه الأجواء المتوترة التي تتسم بالشكوك المتبادلة، تُطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كان تعيين السفير المغربي الجديد سيسهم في تبديد سوء الفهم الكبير بين البلدين الجارين، أم أن الوضع سيبقى على ما هو عليه.

يرى البعض أن تعيين الرباط سفيراً جديداً رسالة حسن نيّة إلى الجزائر وقيادتها الجديدة
 


الخبير في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، الشرقاوي الروداني، رأى في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن تعيين سفير جديد يعتبر في عالم الدبلوماسية بمثابة وجود رؤية للتطلع إلى آفاق جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين، مضيفاً أن تعيين سفير مغربي جديد في الجزائر يمكن قراءته على مستويين: الأول هو التغيير الذي حدث في القيادة الجزائرية مع انتخاب رئيس جديد، وكان من الضروري مسايرة وتكييف التوجّهات الاستراتيجية في العلاقات بين البلدين، ولا سيما مع وجود رغبة واهتمام ملكيين في تحسينها، مضيفاً أن هذا الاهتمام تكرسه مبادرات الملك المغربي في خلق منطقة مغاربية تساير التحديات وتلبي احتياجات الشعوب، كما رسخته المبادرة الملكية في خلق لجنة مشتركة للتشاور بين البلدين والوقوف على آليات جديدة لتجاوز الخلافات الثنائية.
أما المستوى الثاني، بحسب الروداني، فيكمن في الرصيد التاريخي للعلاقات المغربية الجزائرية وضرورة الاستثمار والبناء عليه، لا سيما أن هناك تحديات جمّة تعرفها منطقة شمال أفريقيا وغرب حوض البحر الأبيض المتوسط، والتي تُجبر الدولتين على خلق آليات التعاون والتشاور الاستراتيجي من أجل مواجهة التهديدات الاقتصادية والجيوسياسية. واعتبر أن الاحتقان المجاني لا يخدم مصالح الشعوب المغاربية المتطلعة إلى الوحدة والتضامن من أجل درء المخاطر ومواجهة الصعوبات التي يفرضها عالم ما بعد كورونا، لافتاً إلى أنه يمكن اعتبار هذا التعيين رسالة حسن نيّة إلى دولة الجزائر للعمل سوياً مع القيادة الجديدة.
من جهته، اعتبر الباحث في القضايا الأفريقية وشؤون الصحراء، نوفل البوعمري، أن تعيين السفير الجديد يأتي لمحاولة مد العلاقة الدبلوماسية المغربية الجزائرية بروح جديدة، لعلها تتجاوز الوضع الجامد على مستوى عدة ملفات حيوية مشتركة، لا سيما العمل على نقطتين: تجسيد دبلوماسي لفكرة ومقترح الملك محمد السادس "اليد الممدودة" تجاه الجارة الجزائرية، ثم مطلب إعادة فتح الحدود البرية، الذي تقدّم به المغرب بشكل رسمي للجارة.
ولفت البوعمري، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن تعيين سفير جديد يأتي في هذا السياق المضغوط بعدة ملفات حيوية وبأجندة دبلوماسية قوية وكبيرة، لا سيما بعد التصريحات الأخيرة لتبون التي تناول فيها العلاقات المغربية الجزائرية، مضيفاً أن تجاوز الخلافات رهين بقدرة الجزائر على إحداث تغيير في مستوى نظرتها لعلاقتها بالمغرب، وهي "نظرة يحكمها للأسف تاريخ طويل وإرث سياسي للبومدينية التي لم تستطع الجارة الشرقية أن تخرج من تأثيراتها السياسية والدبلوماسية". وأضاف أن ذلك رهين كذلك بأن تلعب الجزائر دوراً إيجابياً حقيقياً في نزاع الصحراء وتتوقف عن جعل دعم "البوليساريو" خارجياً وداخلياً جزءاً من استراتيجيتها السياسية والدبلوماسية.

تقارير عربية
التحديثات الحية

المساهمون