سرادق عزاء لسليماني في غزّة!

07 يناير 2020
الصورة

خيمة فصائل فلسطينية للعزاء في سليماني في غزة (4/1/2020/Getty)

من الطبيعي أن يختلف الناس في ما بينهم، وأن تتباين مواقف نخبهم حول كل شأن عام، وهو تباينٌ صحّي، بل ومن حق أي بالغ راشد أن يعبّر عن وجهة نظره بحرّية، إزاء كل حدثٍ بعينه كما يشاء. وأحسب أن منصات التواصل الاجتماعي قد عكست حالة الاختلاف هذه بصورة عامة، منذ جرى اغتيال الجنرال قاسم سليماني قبل أيام، بين من أبدى تعاطفاً مع قائد فيلق القدس الإيراني وحزن عليه، سيما وأن القاتل أميركي على رؤوس الأشهاد، ومن أظهر شماتةً في قائد الفيلق الذي حارب في كل مكان إلا من أجل القدس. غير أنه عندما تنبري القوى السياسية المنظمة للتعليق على تطوّر ما، وتتصدّى المكونات الاجتماعية ذات الصفة الاعتبارية لمعالجة فعل ذي مضاعفات، ينشأ موقفٌ سياسيٌّ مُلزم لأصحابه، ممن تختلف درجة المسؤولية لديهم عما عليه الحال لدى عامة الأفراد، تماماً على ما بدا عليه الحفل الذي أقامته الفصائل في غزة، لتقبّل العزاء في جنرال إيران الأشهر، وهو ما أدّى إلى تظهير صورةٍ مشوّشةٍ عن تعاطف الفصائل في القطاع، وربما عن عواطف عموم الفلسطينيين الذين ذهبت قلة قليلة منهم إلى خيمة العزاء. إذ بعد أن أصدرت معظم هذه الفصائل بيانات شجب واستنكار ضد جريمة الاغتيال في مطار بغداد، وليس في ذلك مأخذ، كون كل جريمة اغتيال سياسي، أياً كانت ضحيتها، مدانةً بلا جدال، تنادت فصائل غزة، وبعضها اسم على غير مسمّى، إلى إقامة بيت عزاء لـ"الحاج الشهيد" قاسم سليماني، ودعت الجماهير إلى تقديم واجب المواساة. 
لافتٌ أن من بادر إلى نصب هذا السرادق في أكبر ساحات غزة، المقام تحت رعاية هيئة فصائل العمل الوطني والإسلامي، وهي تسميةٌ لتعميم المسؤولية، إن لم نقل لتمييعها، لم تكن سلطة حركة حماس التي أصدرت بيان نعي متوازنا، وألزمت أعضاءها بعدم التعليق على حادث التصفية لسليماني، حتى إن بعض شيوخها الشباب، فضلاً عن المفتين والكتاب والمريدين، استذكروا سجلّ سليماني وارتكاباته في سورية والعراق، وأغلظوا القول في حقه، مع أن وفداً قيادياً حمساوياً سافر إلى طهران لتقديم واجب العزاء.
في المعلومات المؤكّدة أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي تتبنّى خطاباً يسارياً راديكالياً، هي من أخذت زمام المبادرة، واستحصلت على الموافقات من غالبية الفصائل لإقامة السرادق، ثم أصدرت بياناً أدرجت فيه أسماء جميع التنظيمات من دون تشاور مسبق، بدليل أن جبهة النضال الشعبي مثلاً تبرأت على الفور من هذا البيان، الأمر الذي أثار الدهشة إزاء كل هذا التماثل مع الأجواء الانفعالية التي سادت طهران وبغداد إثر تصفية سليماني، حتى إن بعض قادة الجبهة المقيمين في دمشق تحدّثوا عبر الشاشات الإيرانية على نحو أشدّ تفجعاً والتياعاً من الناطقين باسم عصائب أهل الحق والجماعة الحوثية.
ولعل جوهر التحفظ على تماهي فصائل الزمن الجميل، وانسياقها الشديد وراء مظاهر التعبير عن الولاء لنظام الولي الفقيه، كامن في الخشية من تظهير صورةٍ زائفةٍ عن التيار المركزي الفلسطيني عروبي الانتماء، وإشاعة انطباع مشوّه لدى الرأي العام العربي، عن ميول الشارع الغزّي المهموم بشؤونه الذاتية، خصوصا لدى السوريين والعراقيين، ممن أثخنتهم حراب سليماني، وهالهم مثل هذا التساوق مع من قتلهم وشرّد ملايين منهم، سيما وأن خيمة غزة كانت الوحيدة المقامة خارج جغرافيا العواصم العربية الأربع التي تفاخر سليماني بالسيطرة عليها ذات يوم. فمن المرجح ألا يعرف العاتبون على أشقائهم الفلسطينيين، خصوصا في العراق وبلاد الشام، التباسات كل هذا الانحياز اليساري الفظ لجانب من قتلتهم، وألا يدرك هؤلاء المذهولون سرّ عدم إبداء الفلسطينيين الحساسية حيال معاناتهم التي تفوق النكبة من بعض الوجوه، نقول كي لا يعي العاتبون أن معظم هذه الفصائل مجرّد دكاكين سياسية تعيش على التقديمات الإيرانية الشحيحة هذه الأيام، وبالتالي كان على المتدثّرين بالعباءة الإيرانية واجب رد الجميل، وتسديد الفواتير غبّ الطلب.
بكلام آخر، تودّ هذه المداخلة أن تصحّح بعض المفاهيم الخاطئة، السائدة أخيرا حول المزاج السياسي الفلسطيني في هذه الآونة، وأن تخفف من غلواء مظاهر الكراهية الناشئة حديثاً، والمتفاقمة مع الأسف، إزاء أصحاب القضية التاريخية العادلة، وفوق ذلك أن تقدم هذه المطالعة شيئاً من الاعتذار اللازم عن سوء الفهم، الناجم عن كل هذه الخفّة الفصائلية، وعن هرطقات من زعم أن سليماني شهيد فلسطين، وأن المسجد الأقصى بموته حزين، ناهيك عمّن قال إن سليماني جيفارا الشرق الأوسط، وإن من لا يحزن عليه "داعشي".
تعليق: