سد النهضة: 9 قضايا أفشلت المفاوضات

15 يوليو 2020
الصورة
لم تشهد المفاوضات حلحلة لأي قضية أساسية بشأن السد (أشرف الشاذلي/فرانس برس)
+ الخط -

اختتمت مساء أول من أمس الإثنين المفاوضات الفنية والقانونية حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، على تقدّم ضعيف في تبادل وجهات النظر، وإهدار مزيد من الوقت، من دون تحقيق حلحلة لأي قضية أساسية. وكالجولات التفاوضية السابقة، تباينت ردود الفعل الرسمية من الدول الثلاث أطراف المفاوضات، فأكدت مصر على خطورة استمرار الأزمة من دون حلّ، ورفضها بدء الملء الأول للسد من دون توافق، وتحدث وزير خارجيتها سامح شكري مجدداً عن الجهود التي تبذلها مصر لاستصدار قرار من مجلس الأمن لضمان حقوقها. من جانبهم، تحدث المسؤولون السودانيون وعلى رأسهم وزير الري ياسر عباس، بلهجة لا تخلو من التفاؤل بالاقتراب من التوصّل إلى اتفاق مع الاعتراف باستمرار الخلافات حول قضايا أساسية، بينما التزمت إثيوبيا الصمت التام بعد نفي رسمي مقتضب من وزير خارجيتها جيدو أندراجاشيو للشائعات التي ترددت في وسائل إعلام محلية عن بدء الملء فعلياً للسد منذ 8 يوليو/تموز الحالي.


هناك خمس قضايا فنية أساسية عالقة تتعسف فيها إثيوبيا مع مصر والسودان

فعلى المستوى الفني، وبحسب مصادر دبلوماسية وفنية مصرية، تحدثت لـ"العربي الجديد"، ما زالت هناك خمس قضايا أساسية عالقة تتعسف فيها إثيوبيا مع مصر والسودان وهي: عدم وضوح برنامج الملء المستمر والدائم للسدّ، وحجم التدفق اليومي من السد والذي سيصل إلى سد الروصيرص بالسودان حتى لا تتأثر السلامة الإنشائية للأخير، إذ تتمسك الخرطوم بأن يكون التغير في حدود 250 مليون متر مكعب وتقترح أديس أبابا 350 مليوناً. فضلاً عن عدم الاتفاق حتى الآن على حجم التدفق العام في فترات الجفاف والجفاف الممتد والذي تقترح مصر أن يكون 37 مليار متر مكعب كرقم وسط بين ما تطالب به إثيوبيا وهو 32 مليار، وما كانت تطالب به مصر وهو 40 مليار متر مكعب، على أن يُترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث، وعدم تقديم إثيوبيا خطتها للاستخدامات الخاصة بالمياه سواء كانت مخصصة لإنتاج الطاقة أو الزراعة أو غيرها. وأخيراً ضرورة الاتفاق على معايير قياس امتلاء سد النهضة وسد السرج الاحتياطي المجاور مجتمعين، والربط بينهما وبين سد الروصيرص والسد العالي، وهي مسألة تراها مصر ضرورية، في حين تراها إثيوبيا مدخلاً للربط بين السدود وهو ما ترفضه.

وسبق أن قدمت مصر مصفوفة توضح أنّ التدابير التي تضمنتها مسودة اتفاق واشنطن التي وقعت عليها مصر منفردة نهاية فبراير/شباط الماضي، تبقي منسوب المياه، إذا توافرت كل حالات الاستثناء من جفاف وتمرير لأعلى نسبة مطلوبة من المياه، عند 605 أمتار تقريباً، علماً بأنّ نقطة الجفاف النظرية هي 603 أمتار. وأوضحت المصفوفة أيضاً أنّ تمرير كمية تتراوح بين 37 مليار متر و38 مليار متر مكعب في أوقات الجفاف ستبقي السد ممتلئاً بكمية تصل إلى 23 مليار متر مكعب، وهو ما يكفي تماماً لتوليد الطاقة المطلوبة، إذا كان بالفعل توليد الطاقة هو الهدف الأول من إنشاء سد بهذه الضخامة، وهو الأمر الذي غدا محل شك كبير من المصريين والسودانيين، دفعهم للمطالبة بخريطة استخدام التصرفات.

أمّا القضايا القانونية التي ما زالت عالقة فهي أربع؛ أولها عدم التوافق الكامل على مدى إلزامية الاتفاقية التي سيتم توقيعها، وثانيها عدم التوافق على آلية فض المنازعات التي ستنشأ مستقبلاً حول تشغيل السد والملء، وثالثها رغبة إثيوبيا في تحويل الاتفاقية إلى اتفاق للمحاصصة في مياه النيل وإلغاء اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، ورابعها وأحدثها، رغبة إثيوبيا في انتزاع موافقة مصر والسودان على إقامتها مشروعات مائية أخرى على مجرى النيل الأزرق وتطبيق القواعد الاسترشادية الخاصة بسد النهضة عليها، الأمر الذي ترفضه مصر نهائياً.

هناك نقطتان قانونيتان فقط شهدتا تقدماً محدوداً

وبذلك، ستتضمن التقارير الثلاثة التي سترفعها خلال ساعات الدول الثلاث إلى رئيس جنوب أفريقيا والاتحاد الأفريقي سيريل رامافوزا وأعضاء هيئة مكتب الاتحاد ومفوضيته، مقترحات كل منها بشأن تسع قضايا؛ خمس فنية وأربع قانونية، يجب التوصل إلى حلول لها قبل توقيع أي اتفاق. مع تأكيد مصر والسودان رفضهما المطلق لفكرة تأجيل حسم بعض القضايا بحجة ضرورة الإسراع في الملء الأول للسد لتحقيق مصلحة الجميع، استناداً إلى المؤشرات المتوافرة لدى جميع الأطراف الآن والتي تؤكد أنّ معدلات فيضان النيل حالياً هي الأعلى منذ ثلاثة وعشرين عاماً تقريباً، وأنّ منسوب المياه في بحيرة تانا بإثيوبيا وبحيرة ناصر بأسوان هو الأعلى منذ أكثر من عقدين، وبالتالي تقليل الأضرار المحتملة على مصر.

ووفقاً للمصادر، فإنه إذا ما جاز وصف تطور النقاشات حول بعض البنود في المفاوضات بأنه "تقدم"، فإنّ هناك نقطتين قانونيتين فقط شهدتا تقدماً محدوداً، من دون تحقيق اتفاق نهائي، هما الخاصتان بمدى إلزامية الاتفاقية والآلية التي سيتم الاتفاق عليها لفض المنازعات.

فبعدما كانت إثيوبيا تصرّ على أن تكون الاتفاقية مجرّد نصوص بقواعد "استرشادية" متمسكة بالتفسير الضيق المباشر لنصوص اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015، أبدت مرونة في اعتبار أن الاتفاقية تتضمن شرطاً للتفاوض الملزم بين الأطراف الثلاثة عند نشوب نزاع بينها حول أي من البنود المنصوص عليها، ولكن في المقابل تمسكت بأن تكون آلية فض المنازعات حال فشل "التفاوض الملزم" سياسية وليست تحكيمية ولا قانونية، بحيث يحددها رؤساء الدول أو يتم اختيار جهة إقليمية (تقترح الاتحاد الأفريقي) لأداء هذا الدور.

وأكد حديث المصادر عن هذا التوجه الإثيوبي ما سبق وكشفه مصدر إثيوبي لـ"العربي الجديد" في 6 يوليو/تموز الحالي، من أنّ هناك مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن للمفاوضين الإثيوبيين تجاوزها في المرحلة الحالية، أبرزها أن يكون الاتفاق الذي ستتوصل له المفاوضات ملزماً. وكشف عن عقد أبي أحمد اجتماعات عديدة أخيراً بمقر الحكومة مع مجموعة من الخبراء القانونيين الإثيوبيين والأفارقة والعاملين بالاتحاد الأفريقي والمحاكم المنبثقة منه، حيث تلقى قائمة من النصائح أبرزها الحذر من أي بند يضفي الطبيعة الإلزامية على الاتفاق، لافتاً إلى أنّ النصائح القانونية أوصت باتباع سياسة النفس الطويل في التفاوض مع استمرار الاعتراض على أمر آخر إلى جانب الإلزام، وهو ذكر أي لجنة أو هيئة دولية دائمة أو تشكل خصيصاً بغرض فض النزاع القانوني بين إثيوبيا ومصر والسودان، وفي النهاية يتم اقتراح اللجوء إلى الاتحاد الأفريقي لتسوية الخلافات سياسياً وليس قانونياً.


تمسكت إثيوبيا بأن تكون آلية فض المنازعات حال فشل "التفاوض الملزم" سياسية وليست تحكيمية ولا قانونية

إزاء المقترح الإثيوبي، تقدّمت مصر بمقترح آخر يتمسك بأن يكون الاتفاق ملزماً بذاته من دون إعادة للتفاوض، وأن يتم اختيار جهة دولية أو هيئة مكونة من ثلاثة أطراف، تختار كل دولة إحداها، لتصبح بمثابة هيئة تحكيم دائمة لحل النزاعات. أما السودان، فيرى أنه لا فارق كبيراً بين أن يكون الاتفاق ملزماً وبين أن يحيل إلى تفاوض ملزم، لكنه في المقابل يفضل تعيين جهة تحكيم دولية دائمة لحل المشاكل التي تترتب على التنفيذ أو بوساطة ملزمة للجميع، ولكن بشروط مختلفة عن التعقيدات المذكورة في اتفاق المبادئ.

وعلى الرغم من تعقّد الموقف فنياً وقانونياً؛ أشارت المصادر الدبلوماسية المصرية إلى "حصول القاهرة على تطمينات أميركية وفرنسية وصينية بحتمية التوصل إلى اتفاق ملزم يحل جميع المشاكل العالقة"، كاشفةً عن اتصالات جرت خلال اليومين الماضيين بين مسؤولين استخباراتيين ودبلوماسيين بمصر والسودان وبعض دول مجلس الأمن الأفريقية والأوروبية، تمّ خلالها استعراض المشاكل الفنية والتأكيد على ضرورة حسم جميع القضايا على المستوى السياسي في القمة الأفريقية المصغرة المقبلة.

وبناء على تلك الاتصالات، هناك سيناريوهات عدة مطروحة للقمة التي لم يتقرر بعد موعدها ما إذا كانت ستعقد نهاية الأسبوع الحالي أو منتصف الأسبوع المقبل، إذ تتجه بعض الأصوات إلى أن تعدّ جنوب أفريقيا بصفتها رئيس الاتحاد الأفريقي، خلال أيام، تقريراً عن المشاكل محلّ الخلاف مصحوبة بتفريغ للحلول المقترحة من كل جانب لعرضها والتصويت عليها واتخاذ قرارات حاسمة بشأنها خلال القمة المصغرة. بينما تتجه أصوات أخرى إلى أن يتم عرض التقرير على القمة وتحديد الخطوط العريضة للاتفاق على ضوء المقترحات، على أن يخصص أسبوع آخر للصياغة بواسطة لجنة مصغرة تمثل فيها جميع الأطراف.

وأوضحت المصادر الدبلوماسية المصرية أنّ بعض البنود التي من المفترض أن تكون قد حُسمت، مثل قواعد الملء الأول، وحجم التدفق البيئي، والمبادئ التوجيهية للملء الأول، والقواعد العامة لإدارة فترات الجفاف، وقواعد سلامة السد والمساعدة في استمرار تشغيله، ودراسات التقييم، وموعد تطبيق تلك القواعد، ستُراجَع صياغاتها مرة أخرى لاتصالها بقضايا فنية لم تحسم بعد.


حصلت القاهرة على تطمينات أميركية وفرنسية وصينية بحتمية التوصل إلى اتفاق ملزم يحل جميع المشاكل العالقة

يذكر أنّ مصر سبق أن تلقّت تطمينات من الولايات المتحدة بأنه سيكون من السهل تمرير بيان في مجلس الأمن، تمّ تجهيزه بالفعل، ضدّ الممارسات الإثيوبية، وطرح مشروع قرار إذا فشلت جولة المفاوضات التي تعتبر بمثابة "الفرصة الأخيرة" قبل وصول الأمور لطريق مسدود تماماً. ويواجه هذا المشروع اعتراضات من مجموعة دول من أعضاء المجلس الدائمين والحاليين منها الصين وروسيا وبلجيكا وجنوب أفريقيا والنيجر.

وفي المقابل؛ تلقّت مصر عرضاً منفرداً من الصين، الداعمة لإثيوبيا، لتقريب وجهات النظر في ما وصفته مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد" بـ"محاولة لتحسين العلاقات وتلافي اهتزاز الثقة بين الجانبين بعد إعاقة الصين طرح مشروع القرار المصري المدعوم أميركياً بمجلس الأمن، لإلزام إثيوبيا باستئناف المفاوضات ومنع الملء الأول المنفرد للسد". وتضمّن العرض دخول بكين كوسيط مستقل لمحاولة تقديم حلول وسط بين الجانبين على أن يتم إعدادها بواسطة أخصائيين فنيين تابعين للحكومة الصينية. لكن مصر التي أكدت حرصها على استمرار العلاقات الودية بين البلدين، فضّلت إرجاء خطوة التدخل المباشر بهذا الشكل إلى ما بعد انتهاء المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي، وطلبت من الصين عدم الوقوف ضد إصدار قرار من مجلس الأمن بشأن القضية إذا فشلت جولة المفاوضات الحالية.

وخلال القمة الأفريقية المصغرة في 26 يونيو/حزيران الماضي؛ قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته إنّ "الحوار والتفاوض هو السبيل الوحيد لحل أزمة سد النهضة"، في ردّ واضح على اتهام إثيوبيا لمصر في خطابها لمجلس الأمن بأنها هددت أكثر من مرة باستخدام العمل العسكري. في المقابل، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد "أطرافاً أجنبية" لم يسمها، بـ"العبث بأمن إثيوبيا لتعطيل الإنجازات التي بدأ تحقيقها والتآمر على مصالح البلاد"، وذلك في أعقاب حادث اغتيال المغني الأورومي هاشالو هونديسا وما أعقب ذلك من اضطرابات عنيفة في مناطق تمركز الأورومو بوسط وشرق إثيوبيا أخيراً.