سد النهضة: استعدادات لملء تجريبي منتصف يوليو

القاهرة
العربي الجديد
09 يوليو 2020

في ظلّ استمرار انسداد مفاوضات سدّ النهضة على المستويين الفني والقانوني، انتشرت في الساعات الماضية على حسابات إثيوبية باللغات الأمهرية والإنكليزية والعربية أنباء عن بدء الملء الأول للسدّ، وتداول البعض مقاطع فيديو لمياه محجوزة خلف أحد السدود باعتبارها دليلاً على ذلك. وقد دعمت هذا الاتجاه تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في مجلس النواب، أول من أمس الثلاثاء، حاملةً أكثر من وجه، والتي لم تنشرها وكالة الأنباء الإثيوبية، ما أدى إلى حالة من الارتباك الإعلامي في الدول ذات الصلة بالقضية، وهي: مصر التي تشكو من استمرار التعنت الإثيوبي في المفاوضات، والسودان الذي ظهرت فيه أصوات تنبه لانخفاض منسوب مياه النيل الأزرق هذا العام، وإثيوبيا ذاتها التي تعيش حالة من الاضطراب السياسي بعد مقتل أكثر من 200 شخص من قومية أورومو في أعقاب اغتيال المغني الأورومي هاشالو هونديسا.

وقال مصدر سياسي إثيوبي بـ"جبهة تحرير تغراي" المناوئة لأبي أحمد وحزبه الجديد، إنّ الحسابات التي تروج لبدء ملء السد استخدمت مقاطع فيديو من سدود أفريقية أخرى لمحاولة الإيحاء للرأي العام المحلي بجدية أبي أحمد الذي يواجه مشاكل داخلية كبرى دفعته لتصعيد لهجته في الآونة الأخيرة والحديث عن مواجهته لمخططات انقلاب داخلية مدعومة من الخارج، والتلميح أكثر من مرة إلى القوى الإقليمية والدولية التي ترغب في تعطيل الإنجازات، حتى أصبح الرأي العام الإثيوبي مقتنعاً بتورط مصر بدعم أميركي في حادث اغتيال المغني وغيره من الوقائع التي شهدتها البلاد أخيراً.


مصدر إثيوبي: الحسابات التي تروج لبدء ملء السد استخدمت مقاطع فيديو من سدود أفريقية أخرى

وأضاف المصدر في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ أبي أحمد بدأ يعمد أخيراً لاستخدام عبارات وألفاظ متناقضة عند مقاربة قضية سدّ النهضة، ومنها التصريحات التي أدلى بها في مجلس النواب الذي انعقد بصورة استثنائية الثلاثاء الماضي في قاعة مؤتمرات وليس في مقره لمنع انتشار فيروس كورونا. وخلال التصريحات التي جاءت رداً على نائب موال له، عن سياسته في إدارة مفاوضات السدّ - ولم تنقل كاملة في أي وسيلة إعلامية خارج إثيوبيا - ركز أبي أحمد أولاً على استمرار المفاوضات لحين التوصل إلى اتفاق، ثمّ وصف إدخال المفاوضات إلى ما قال عنه "البيت الأفريقي" بـ"دليل قاطع على نجاح الدبلوماسية الإثيوبية"، مشدداً على أنّ "الحلّ سيولد في المفاوضات المدارة بواسطة الاتحاد الأفريقي فقط".

ثمّ تحدث أبي أحمد عن أنّ الملء الأول للسدّ لن يضر بمصر، لكن في الوقت نفسه يجب الأخذ بعين الاعتبار ضرورة اللحاق بموسم الأمطار الحالي، مشيراً إلى استمرار التحضير لذلك، ثمّ طرح للمرة الأولى - بنفسه - مسألة إعادة المحاصصة في مياه النيل التي كانت حكومته قد طرحتها على مجلس الأمن مرتين، قائلاً إنّ بلاده تسعى لاتفاق عادل على اقتسام المياه والمنافع بين دول المنبع والمصب.

ورداً على سؤال آخر بشأن حجم ما تم إنجازه في المشروع حتى الآن، قال أبي أحمد إنّ نسبة الإنشاءات العامة تخطت الـ70 في المائة، وأنه تسلّم السلطة في وقت كان فيه ارتفاع السد 35 متراً، فيما أصبح ارتفاعه الآن 560 متراً، في ردّ واضح على اتهامه من قبل بعض القوى السياسية المعارضة بالتفريط في المشروع وتعطيله.

وبحسب المصدر السياسي الإثيوبي، فإنّ التلفزيون الرسمي المحلي علّق على تلك التصريحات، مساء الثلاثاء، بالقول إنّ "السد سيكون جاهزاً لبدء الملء منتصف الشهر الحالي"، من دون تحديد يوم بعينه لبدء الملء، مشيراً إلى أنّ الأعمال التحضيرية للملء، مثل تطهير الغابات وإزالة الحشائش الضارة الموجودة بكثافة في بحيرة تانا والمنطقة خلف السدّ، متواصلة على قدم وساق، لكن "المياه المحجوزة حالياً خلف السد لا تمثل الكميات التي سيتم تخزينها بالفعل، وهي متجمعة بسبب غزارة مياه الفيضان حالياً"، وهو الأمر نفسه الذي أكده مصدر فني مصري لـ"العربي الجديد"، أمس.


الملء الأول للسدّ في البداية سيمرّ بإجراءات عدة

وكشف المصدر الإثيوبي أنّ الملء الأول للسدّ في البداية سيمرّ بإجراءات عدة، منها ما يمكن وصفه بالملء التجريبي، وسيستمر لأيام عدة، وخلاله ستجرى اختبارات لكفاءة بوابات السدّ بتكرار الغلق والفتح والتصريف، وتشغيل تقنيات لتحسين جودة المياه وغيرها من الأنظمة.

وعلّق مصدر بوزارة الري المصرية مطلع على مجريات التفاوض، على معلومة الملء التجريبي، بقوله إنّ هذه المسألة متوقعة وضرورية ومن الممكن أن تستغرق أسبوعين تقريباً، ولكن يجب على الجانب الإثيوبي الالتزام بما تم الاتفاق عليه في القمة الأفريقية المصغرة، وعدم المبادرة حتى للملء التجريبي إلا بعد التوصل إلى اتفاق، لأنّ أثر الملء واحد سواء كان تجريبياً أو نشطاً أو مستداماً.

وأوضح المصدر أنه على الرغم من التطمينات السياسية والدبلوماسية المستمرة داخل مصر وخارجها في العواصم المرتبطة بالملف، إلا أنّ الوفدين الفنيين لمصر والسودان "مصدومان" من رغبة الإثيوبيين بقيادة وزير الطاقة والمياه سيليشي بيكيلي في إعادة المناقشات حول نقاط سبق وحسمت سواء في مفاوضات واشنطن أو المفاوضات الماضية التي عقدت بدعوة من الخرطوم قبل تصعيد الأمر لمجلس الأمن.

وكشف المصدر أنّ الإثيوبيين طلبوا، أول من أمس، بشكل صريح إرجاء الاتفاق على بعض النقاط العالقة إلى ما بعد بدء الملء الأول، وهو ما قوبل بالرفض حتى من بعض الأطراف المراقبة. في المقابل، رفض الإثيوبيون طلب مصر والسودان إطلاعهما على تحديث لدراسات الأمان الخاصة بالسد بعد وصول نسبة الإنشاءات إلى نحو 74 في المائة.

في سياق متصل، حصل "العربي الجديد" على الخطاب الذي وجهه عدد من السفراء والمسؤولين الدبلوماسيين الأميركيين، نهاية الشهر الماضي، إلى مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، ديفيد هيل، ينتقدون فيه موقف الإدارة الأميركية تجاه أزمة سدّ النهضة وما وصفوه بـ"انحياز واشنطن لمصر"، وظهر أنّ الموقعين على الخطاب جميعهم شغلوا منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية في عهود سابقة. وهم: جوني كارسون (من أصول أفريقية وسفير أسبق في زيمبابوي وكينيا)، هرمان كوهين (عمل مع الجمهوريين)، شيستر كروكر (عمل مع الجمهوريين)، جنداي فريزر (من أصول أفريقية وسفيرة سابقة في جنوب أفريقيا)، جورج موز (من أصول أفريقية وعمل مع الديمقراطيين)، سوزان رايس (من أصول أفريقية وشغلت المنصب في عهد باراك أوباما)، ليندا توماس غرينفيلد (من أصول أفريقية وعملت مع إدارتي أوباما وترامب).

وركز الخطاب على اعتبارات سياسية بحتة لا صلة لها بالواقع المائي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لمصر وإثيوبيا، إذ دعا الإدارة الأميركية إلى استثمار توجه رئيس الوزراء أبي أحمد نحو "الإصلاح والتغيير" في بلده، لإقامة علاقات مفيدة للطرفين، ودعم وجود واشنطن في إثيوبيا كقوة كبرى في منطقة شرق أفريقيا.

وحذر الدبلوماسيون صراحة من فقدان واشنطن لحليف كبير في المنطقة ونظام طموح لتطوير دولته، لصالح الصين وروسيا "على الرغم من الميل الفطري من أبي أحمد نحو الولايات المتحدة"، حسب نصّ الخطاب، في محاولة واضحة للترويج لنظام أحمد وانتزاع دعم له من إدارة ترامب.


حذّر دبلوماسيون أميركيون من أنّ دعم واشنطن لمصر ستكون له آثار طويلة الأمد على العلاقات مع إثيوبيا

وذكر الدبلوماسيون السابقون أنّ دعم واشنطن لمصر ستكون له آثار طويلة الأمد على العلاقات مع إثيوبيا سواء تمّ حلّ قضية السد أم لا، وسواء بقي أبي أحمد أم تغيّر النظام الحاكم أو صعد شخص آخر لقيادة إثيوبيا.

يذكر أنّ إثيوبيا مدعومة من داخل المؤسسات الأميركية الكبرى بعدد كبير من الشخصيات السياسية البارزة من نواب ودبلوماسيين من أصول أفريقية. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ إدارة ترامب تتمسّك بدعم مصر في قضية سدّ النهضة حتى الآن، وتدعم صدور قرار، أو على الأقل بيان، من مجلس الأمن يساند الموقف المصري ويحذر إثيوبيا من اتخاذ مواقف أحادية قبل التوصل إلى اتفاق حاسم وملزم للجميع. وهو ما تعارضه الصين لأسباب تتعلق بتعاونها مع إثيوبيا في بناء السدّ، وكذلك وجود احتمالات بتصاعد أزمات حدودية ومائية بينها وبين جيرانها ترغب في إبعادها تماماً عن المسار الأممي.

وسبق أن كشفت مصادر دبلوماسية مصرية عن أنّ فرنسا التي ترأس مجلس الأمن حالياً، ما زالت تلعب دوراً توفيقياً في الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وبكين حول تطورات الأزمة، بحيث يصل المجلس إلى نقطة تمكنه فقط من إصدار بيان لمباركة توصّل الدول الثلاث إلى اتفاق بنهاية الفترة المحددة للتفاوض من قبل الاتحاد الأفريقي (تنتهي بعد 9 أيام)، من دون أن يكون هناك داع لتجديد الخلاف عبر إصدار بيان أو قرار لصالح مصر، وهو ما كانت تصرّ عليه واشنطن وتم إرجاؤه لإعطاء فرصة للمفاوضات الجارية.

وكانت مصر قد أعلنت، مساء أول من أمس الثلاثاء، استمرار تمسّك إثيوبيا بمواقفها المتشددة في الأجزاء الفنية الخاصة بالاتفاق، ولا سيما بشأن إجراءات مجابهة الجفاف وفترات الجفاف الممتد والسنوات شحيحة الإيراد خلال الملء والتشغيل، ما يضيّق من فرص التوصل إلى اتفاق، خصوصاً أنّ هذه النقاط تمثل عصب الجزء الفني من الاتفاق بالنسبة لمصر.

وعقدت أمس، الأربعاء، اجتماعات ثنائية محددة المدة بين كل وفد فني على حدة وبين المراقبين المختلفين لمراجعة حصيلة مناقشات اليومين السابقين على المستويين الفني والقانوني.

ذات صلة

الصورة

سياسة

فيما تتحضر مصر لانتخابات مجلس الشيوخ، الذي يستكمل معه الرئيس عبد الفتاح السيسي إعادة هيكلة السلطتين التشريعية والتنفيذية، طفت أخبار عن مداولات لتعديل دستوري ثانٍ، بهدف حذف وتعديل بعض المواد التي تشكل عبئاً على الممارسة العملية للنظام وتكبله سياسياً.
الصورة
محمد حمدان دقلو "حميدتي" (أشرف شازلي/ فرانس برس)

أخبار

حذّر نائب رئيس مجلس السيادة السوداني محمد حمدان دقلو "حميدتي"، اليوم الجمعة، من "مخطط مدروس" للاقتتال وأجندة داخلية لعرقلة السلام في بلاده.
الصورة
ثروة حيوانية السودان (أشرف شاذلي/فرانس برس)

اقتصاد

رغم امتلاك السودان ثروة حيوانية هائلة بالإضافة إلى تعليق السعودية استيراد الأضاحي، إلا أن أسعار المواشي ارتفعت بنسب كبيرة. ويأتي عيد الأضحى هذا العام وسط معاناة كبيرة للسودانيين من تدهور الأوضاع المعيشية.
الصورة

اقتصاد

المشاركة في أضحية عيد الأضحى أصبحت الخيار اﻷفضل لغالبية الأسر المصرية، في ظل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار والظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة.