ساسة العراق وتسويق الكذب

29 يونيو 2015
الصورة
لم يشهد تاريخ الدول والحكومات أوضاعا كالتي مرّت وتمر بالعراق، عبر الحكومات التي جيء بها بعد إطاحة نظام الرئيس الراحل صدام حسين، ومجموعة "السياسيين" الذين باتوا يتصدرون المشهد العام في العراق، الحكومي والنيابي وفي المناصب العامة، ولعل أبرز ما يميز ساسة العراق، بشكل عام، عملية "تسويق الكذب" التي بدأت نهايات تسعينيات القرن الماضي، وقبل الاحتلال الأميركي؛ عندما نسجوا قصصا وهمية، وبعضها مبالغ به، عن الواقع العراقي وحالة الشعب والنظام هناك، ثم ومع دخولهم المشهد الرسمي في الصورة العراقية انهالت على شعب العراق وعود وحكايات وردية رواها، ويرويها، أناس لم يكن لهم في أجندة العراقيين أية دلالات أو معلومات تذكر، سلباً أو إيجاباً. 

ومع تدهور الأوضاع في العراق وتدهور إدارة هذا البلد في الملفات كافة، ومع انعدام الأمن وضعف هيبة الدولة إلى أدنى درجاتها، بدأ المواطن العراقي برصد حالات الكذب في تصريحات "المسؤولين" بأنواعهم ودرجاتهم ومرجعياتهم كافة، وبدأت العاصمة بغداد، وكل محافظات العراق، باستثناء محافظات إقليم كردستان العراق، تلمس حالات شديدة الصعوبة من فقدان للخدمات وأساسيات الحياة العادية (وليس الكريمة)، حتى تراكم هذا الإحساس حد خروج العراقيين في محافظات عديدة، وبتوقيتات مختلفة، ليعبروا عن رفضهم واحتجاجهم على سياسات الحكومة، وعدم تنفيذ وعودها ووعود الذين انتخبوهم، ليكونوا نواباً عنهم في مجلس النواب، وليواجهوا، في كل مرة، أجهزة الأمن العراقي التي تعاملت مع هذه التظاهرات، بشكل عام، بعنف، وزجت شباباً متحمسين وطنياً في سجونها، من دون تهم فعلية أو محاكمات بينة.
بلغ العراقيون أعلى حدود الغضب، عندما وصفوا رئيس وزراء العراق السابق، نوري المالكي، بالـ"كذاب"، وهتف المتظاهرون فيما سمي الربيع العراقي عام 2011، وبطريقة الأهزوجة العراقية "كذاب.. كذاب.. نوري المالك.. كذاب"، وبعيداً عن مآلات شباب الربيع العراقي، حينذاك، وما تعرضوا له من قمع أمام أعين كل العالم، وعبر شاشات التلفزيون، حيث قتل وجرح أكثر من 180 مواطناً على الأقل برصاص قوات الأمن في يوم واحد، وخرج المالكي ليعد الشعب من جديد بأنه سيقوم بإصلاح أكثر المطالب، وطلب مهلة 100 يوم لتقييم أداء وزارته. وعلى الرغم من عدم ثقة الشعب بهذا الوعد، إلا أن المالكي عاد ليثبت ما هزج الشباب به في تظاهراتهم وتوصيفهم له بالـ"كذاب"، عندما انقضت تلك المهلة، لا بل وانقضت سنوات عدة بعدها، والعراق يتدحرج بسرعة كبيرة نحو هاوية الظلم والتخلف والتهميش وسوء الإدارة والضياع.
باتت عملية تسويق الكذب عملا منهجيا بالنسبة لكثيرين ممن هم داخل حدود العملية السياسية في العراق، الكذب ليس على الشعب فقط؛ بل على الدول الأخرى وبأعلى المستويات، لا بل الكذب حتى داخل الكتل السياسية نفسها، والتي يفترض أنها كلها في مركب واحد. ولعل عراق الفترة الأخيرة، وربما في السنتين الأخيرتين تحديداً، ليس هو نفسه الذي كان قبلهما، وأهم ملامح المتغير الرئيسي والخطير هنا، أن الشعب فقد الثقة تماما في كل السياسيين، وفقد الثقة في الحكومة التي تعتلي سدة حكمه، كما أن مجلس النواب العراقي يمكن تشبيهه بـ"عش دبابير". الكل يطير، والكل متحفز بإبرته ليوخز بها الكتلة التي تتربص بما يحيك، لتمشية مشروع قانون ما أو للوقوف ضده، كما لا يثق هذا المجلس ضمناً في قدرات الحكومة، ولا بقدرة رئيسها على ضبط الأمور وحفظ العملية السياسية التي يحتمون بظلالها. ومع أزمة الثقة هذه، لا يطمئن رئيس الحكومة العراقية نفسه لحلفائه وخصومه في الرئاستين الأخيرتين.
وبنظرة شاملة للصورة الكاملة، يلاحظ الجميع أن العراق سياسياً هو رئاسات ثلاث هشة ومفككة، وشعب كامل مضطهد ومعذب ومحروم، ويقاوم محاولات جرّه إلى الفتنة الطائفية، ومجلس نواب لا يمثل أحداً بقدر ما يمثل تيارات استفادت ونمت في ظل هذه الأوضاع الشاذة.
تطورت حالة "تسويق الكذب" لدى سياسيي العراق الجديد إلى حد لم يصل إليه نموذج يمكن قياس الأمر عليه سابقاً في أي مكان. وهؤلاء الساسة، وعلى الرغم من أن العراق، من الناحية الفعلية، بات في نصف حجمه بالنسبة لسلطة الدولة المركزية عليه (إقليم كردستان مضافاً إليها الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة)، فإن ساسته، بدءا من رئيس الوزراء، حيدر العبادي، وانتهاءً بأدنى النواب تحصيلاً للأصوات الانتخابية، مرورا برئيس مجلس النواب، سليم الجبوري، ما زالوا يستسيغون "الكذب" أسلوباً لمصارحة الشعب! وكذلك منفذاً لاستجداء المواقف الدولية. وعلى الرغم من مرور أكثر من سنة على احتلال الموصل، وأجزاء كبيرة من محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى، وعلى الرغم من مطالبات شعبية وإعلامية للحكومة بضرورة مصارحة الشعب عن المسؤول الفعلي عن الهزائم الكبيرة للجيش في هذه المناطق، إلا أن عمليات التسويف وتسويق الحكايات المبنية على "الكذب" بقيت، وستبقى، تدور في دائرة مفرغة، استهلاكا للوقت، وإمعاناً في إبقاء المسؤولين عنها في دائرة القرار والحكم، وخارج حدود المساءلة.

هناك مثل عراقي معروف يقول "الكذب المرتب (المصفط) أحسن من الصدق غير المرتب (المخربط)". ويبدو أن بعض ساسة العراق يعتمدونه كثيراً، لا بل يبدو أنه شعارهم الواقي والميسر لحكم العراق وشعبه، ولنأخذ مثلاً بعض ما ذكره نوري المالكي، في لقاء أجري معه، أخيراً، "أقول لكم بصراحة مؤلمة، أسأنا للإسلام كثيراً، وأسأنا لرسالة محمد كثيراً، وأسأنا للقرآن كثيراً"، ويضيف في اللقاء نفسه "لا مشكلة بين السنة والشيعة كمجتمعات، أن السياسيين في البلاد هم من يفكّر بسنة وشيعة، ونجر الناس إلى هذه المهلكة"! ذاك هو أسلوب المالكي (الماكر) سعياً إلى تثبيت هالة (المصلح) لنفسه ولحزبه (حزب الدعوة) وتجريم البقية من العاملين في العملية السياسية العراقية، فيما كان، وما زال، المسؤول الأول (بحسب عراقيين كثيرين)، كونه صاحب أطول فترة حكم للعراق بعد الاحتلال (8 سنوات)، وكونه أيضا صاحب التقسيم الشهير للشعب العراقي، معسكري يزيد والحسين، تقسيم "الدم" كما سماه هو نفسه، والذي حاول، من خلاله فعلاً، إحداث الفتنة الطائفية التي عمل على تأجيجها طوال فترة حكمه.
يمثل "تسويق الكذب" من السياسيين في العراق إدانة واضحة للعملية السياسية، وهو سبب رئيسي لوصول الدولة التي ينخرها الفساد إلى حافة الانهيار الشامل، بعد أن بدت هذه العملية مكشوفة تماما للشعب العراقي والعالم، وبعد أن تمكن الإرهاب من التحكم بمجريات الأمور في مناطق كثيرة وواسعة ومهمة من البلد، كما أنه أفضى إلى تهميش الهوية الوطنية بشكل واضح، إضافة إلى احتمالية تمزيق وحدة العراق في أية لحظة.