سؤال الخيار العسكري نحو سد النهضة

25 يوليو 2020
الصورة

مع كل محطة تعثر لمفاوضات سد النهضة، تنطلق صيحات تحريض مصرية على اتخاذ الخيار العسكري فورا، وذلك للمفارقة، مما يُجمع عليه مؤيدون للنظام ومعارضون له، من باب الإفراط في الثقة أو الحماسة أو المزايدات.

من حيث المبدأ، يجب نقاش المسألة، على أرضية القدرة السياسية لا العسكرية. صحيح أن الجيش المصري، حسب تقارير عدة، يملك بالفعل ما يمكّنه من قصف السد، سواء عبر قنابل خارقة للتحصينات الخرسانية، أو عبر صواريخ "كروز سكالب"، فضلا عن استعراض تم أخيرا لقدرات التزوّد بالوقود في الجو لطائرات الرافال، إلا أن السؤال الأهم هو: ماذا بعد الضربة؟

كأن من يتساهلون مع هذه الدعوات يتصورون القصة ستنتهي بتحوّل السد ركاما. لا، هذه ستكون البداية الحقيقة. أولا على الصعيد الإثيوبي يتجاوز مشروع السد كونه فخرا قومياً تحول مركز خطاب تعبوي شعبوي بلا حدود. أبسط متابعة للصحافة الإثيوبية ولحسابات المعلقين الإثيوبيين على "تويتر" تُظهر موجةً جارفةً من العداء لمصر، وتحميلها كل تراكمات التاريخ الإثيوبي. مصر هي سبب تخلف إثيوبيا وفقرها 120 عاماً، كما قال الكاتب الإثيوبي ميكونين كاسا، على سبيل المثال.

سيكون رد الفعل الإثيوبي جنونيا، سيتم تصعيد أشد الحكومات يمينية، وسيصبح الهدف الإثيوبي الأزلي هو بناء سدود، بل قالت افتتاحية أحد المواقع الإثيوبية إن مصر تتفوق علينا في معايير القوة العسكرية، ولكن لو ضربوا السد فسيبني كل فلاح إثيوبي سدّا على رافد النيل المارّ بأرضه!

وسيكون رد الفعل الأفريقي طرد مصر من كل المنظمات الأفريقية، وترسيخ صورتها مستعمرا إمبرياليا، تسعى دول المنبع للفكاك منه. هل ستدمن مصر بعدها تكرار الضربات في العمق الأفريقي لإثيوبيا وغيرها؟

على المستوى الدولي، أقل الأضرار هرب السياحة والاستثمار من بلدٍ تحول إلى منطقة نزاع. والأهم رد فعل الدول الكبرى غير المؤكد. من الوارد فعلا أن يتم تمرير الحدث بإدانة رمزيةٍ لا أكثر، على طريقة العقوبات ضد باكستان والهند بعد تجاربهما النووية، أو العمليات التركية في العراق. ولكن ليس من المستحيل أيضاً أن يحدث سيناريو شبيه بحصار العراق وصدّام حسين بعد غزو الكويت، وهو الذي كان صديق الغرب الأقرب، قبل ذلك بسنوات قليلة.

وفي هذا السياق، مما يحسب للنظام المصري سياسته العسكرية المحافظة، فلم يشارك في حرب اليمن، على الرغم من كل الإغراءات والضغوط السعودية والإماراتية. وتجاهل تماماً مخرجات "قمة الرياض" عام 2017، عن تشكيل قوة لمكافحة الإرهاب في سورية. ولاحقا، انسحب من مشروع التحالف الخليجي الأميركي الموجه ضد إيران. حتى موقفه التصعيدي في ليبيا، أخيرا، يظل متحفظاً بالمقارنة بالموقف التركي. استعرضت تركيا لقاء رئيس أركانها مع ضباط أتراك في قاعدة على الأراضي الليبية، ولم ترد مصر بالمثل.

قد يأمل معارضون أن تؤدي ضربة عسكرية ضد إثيوبيا، بشكلٍ ما، إلى زعزعة النظام، لكن التاريخ يخبرنا بالعكس تماما. وستمثل هذه الضربة رفعا أزلياً لأسهم النظام الشعبية، نجحت أو فشلت! سيكون هذا استدعاءً للحظة شحن قومي هائلة، تشبه العدوان الثلاثي في 1956 أو بناء السد العالي.

لا يعني كل ما سبق الاستبعاد المطلق للخيار العسكري، لكنه يعني أنه لا ينبغي طرحه مطلقاً، إلا حين يصبح الخيار الوحيد، وليس حتى آخر الخيارات. وقبله يجب استنفاد كل الخيارات السياسية، بما فيها التنازلات المؤلمة. 

جوهر الخلاف مع إثيوبيا اليوم هو حول عقد اتفاقٍ ملزم، وانتزاع اعتراف، ولو كان ضمنيا، منها باستمرار حصص المياه بعد اكتمال ملء السد. كل ما سوى ذلك سيكون ثمن تحمّله أقل من كلفة ضربة عسكرية. وفي النهاية، ما وصل بنا إلى هذه النقطة هو تراكم سياسات خاطئة عبر عقود، ولن ينجينا من تكرارها في المستقبل إلا سياسات طويلة المدى، تتجاوز الأنظمة إلى رؤى مؤسسيّة، وهي أسئلةٌ لا تبدو إجاباتها حاضرة اليوم في الواقع المصري.