زيارة ماكرون لكورسيكا: تأكيد مكانة الجزيرة في قلب الجمهورية وتجاهل مطالب القوميين

07 فبراير 2018
الصورة
جاء خطاب الرئيس الفرنسي شاملاً (Getty)
+ الخط -




استبق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارته إلى كورسيكا (جنوب غرب فرنسا)، بلقاء مع أرملة والي كورسيكا، كلود إيرينياك، الذي اغتاله كوماندو كورسيكي، قبل عشرين سنة (6 فبراير/ شباط 1998)، في ظل تردّي الأوضاع الأمنية والسياسية في الجزيرة، وهو خارجٌ من قاعة مسرح في الجزيرة. وهو ما فُهم منه أنه تشدد في ما يخص مطالب القوميين الكورسيكيين بالعفو عن معتقليهم، خاصة عن إيفان كولونا، الذي تعتبره باريس من الضالعين في الجريمة، والذي يعتبره القوميون الكورسيكيون واحداً من أبطالهم الأحياء. 

كذلك استبقت "قناة بي. إف. إم تيفي"، المستقلة والمتواطئة مع الرئيس ماكرون، نتائج زيارة هذا الأخير وإعلاناته في كورسيكا، وكشفت عن استطلاع للرأي يعبر فيه 74 في المائة من الفرنسيين عن معارضتهم استقلال كورسيكا، مقابل 26 في المائة.

كما أن فكرة منح صلاحيات واسعة في إطار استقلال ذاتي، لسكان الجزيرة، لا تروق للفرنسيين، حسب الاستطلاع نفسه. فـ64 في المائة يرون أنه ليس على الدولة أن تمنح لا أكثر ولا أقل مما تتمتع به الجزيرة، حالياً. بينما يطالب 16 في المائة بخفض ما هو موجود، أما 19 في المائة، وأغلبهم من الشباب، فيريدون منح الإقليم صلاحيات أكثر.

وكما يعرف الرئيس ماكرون، فإن ممثلي الجزيرة سطروا قائمة من المطالب، التي يقولون إن الانتخابات الأخيرة في جزيرتهم عبرت عن الحاجة إليها، حين اختارت أغلبية من المطالبين بتوسيع الاستقلال الذاتي على حساب الأحزاب التقليدية الأكثر وفاء وتبعية لسلطة باريس.

وفي هذا الصدد، نال مطلبان قوميان كورسيكيان تأييد أغلب الفرنسيين، ويتعلق الأمر بتجميع سجناء الجزيرة، الموجودين على التراب الفرنسي، الذين يعتبرون "معتقلين سياسيين" في كورسيكا وتعتبرهم باريس مجرد "سجناء جنائيين"، في كورسيكا، حتى يكونوا قريبين من أهاليهم.

وأيّد نحو 57 في المائة تقريب السجناء من أهاليهم. كذلك وافق 53 في المائة من الفرنسيين، حسب استطلاع الرأي، على التنصيص على خصوصية الجزيرة في الدستور الفرنسي.

ومن جهة أخرى، عارَض 53 في المائة مطالب القوميين الكورسيكيين بإرساء وضعية "مقيم كورسيكي"، من أجل جعل شراء العقار حكراً على من يقيم في الجزيرة منذ أكثر من خمس سنوات.

وعارض 56 في المائة اعتبار اللغة الكورسيكية لغة رسمية ثانية إلى جانب اللغة الفرنسية. وأخيراً، رفض 72 في المائة فرضيّة عفو عام عن المعتقلين "السياسيين" الكورسيكيين.

وجاء خطاب الرئيس الفرنسي، بعد ظهر اليوم، شاملاً، بعد يومين من زيارته، التي تضمّنت لقاءات مع المجتمع المدني ومع رموز السلطة والدولة، وقاطعه القوميون، بسبب تشدده أثناء تكريم الوالي القتيل، الذين رأوا في مواقفه، قبل الزيارة وأثناءها، ما يكشف عن رفض مسبق لمطالبهم، التي انتُخِبوا على أساس النضال من أجل تحقيقها.

وقد توجّه ماكرون في خطابه إلى "كورسيكا داخل الجمهورية (الفرنسية)"، جواباً عن كل مطالب القوميين الكورسيكيين، التي قدّموها إلى الرئيس.

وجاء خطاب ماكرون حازماً وحاسماً من حيث رفض منح مزيد من الصلاحيات لإدارة كورسيكا، وهو ما عبّر عنه بتكرار كلمة "مسؤولية" الدولة الفرنسية في التدخل في كل شؤون الجزيرة، كما في كل أنحاء الجمهورية الفرنسية.


وتمخّض "الجبل"، قليلاً، فولّد قبولاً من ماكرون بأن يتمّ التنصيص في الدستور الفرنسي على كورسيكا، و"لكن ليس وحدها". ولكن الأمر لا يزال يحتاج إلى توضيح أكبر.

وشدّد الرئيس ماكرون على مكانة الجزيرة في قلب الجمهورية، وهو ما دفعه للدعوة، قريباً، إلى لقاء بين الشركاء المتوسطيين فيها.

كذلك ضمّن الرئيس ماكرون لاءاتٍ كثيرة إضافية في خطابه، في وجه مطالب القوميين الكورسيكيين، ومنها: رفضه إحداث وضعية "مقيم في كورسيكا"، (مقيم في فرنسا تكفي). وتذرّع الرئيس بتناقض الطلب مع "الدستور الفرنسي ومع القانون الأوروبي".

ولم يقدّم ماكرون أي تنازل في ما يخصّ مطلب الضريبية الكورسيكية المستقلة، التي كان القوميون الكورسيكيون يراهنون عليها لتطوير الجزيرة وجمع إيرادات مالية أكبر، فأشهر في وجهها رفضاً واضحاً.

وفي ما يخص اللغات، لم يختلف موقف ماكرون عن مواقف الرؤساء السابقين، ولا عن مواقف المؤسسة الفرنسية، الغيور على اللغة الفرنسية، الواحدة والموحّدة، فرفض الاعتراف باللغة الكورسيكية لغة رسمية ثانية مساوية للغة الفرنسية على الوثائق الإدارية.

وهذا الموقف الفرنسي الرسمي الرافض اللغات الإقليمية كثيراً ما جرّ عليها انتقاد محافل الاتحاد الأوروبي، التي هدّدت غير ما مرة بفرض عقوبات على باريس. ولكن الرئيس، وخلافاً لسابقيه، أشاد بالثنائية اللغوية، وهو ما يعني في نظره: "اعترافاً بهوية ثقافية في الجمهورية".

وظل موضوع "المعتقلين السياسيين"، الذي يُثير حساسية كبيرة في الجزيرة وبين أوساط القوميين الكورسيكيين، الذين اتخذوا منه موضوعاً انتخابياً في كل الاستحقاقات الانتخابية، غائباً في خطاب الرئيس ماكرون، على الرغم من أن زوجة المعتقل إيفان كولونا، الذي يعتبر أيقونة كورسيكية حية، واجهت رئيس الجمهورية، في الشارع، بمعاناة ابنها، الذي لم يرَ أباه، منذ أكثر من سنة.

ولا شك في أن مواقف الرئيس إيمانويل ماكرون المخيبة، اليوم، لآمال قطاع عريض من الكورسيكيين، وللطبقة السياسية التي تدير الجزيرة، والمكوَّنة من تحالف القوميين الاستقلاليين، الذين يمثلهم جان إيف تالاموني، وأنصار توسيع الحكم الذاتي إلى أبعد مدى، والذين يمثلهم، جيل سيميوني، ستخلط كثيراً من الأوراق، ولكنّ الأسلحة التي يمتلكونها للرد تظل محدودة، في ظل إجماع شعبي على عدم العودة إلى الخيار العسكري، الذي كلّف الجزيرة غالياً. ​

المساهمون