رياض السنباطي... تغريب يختبئ في غابة الشرق

09 سبتمبر 2019
الصورة
على العود لم يخل أسلوبه من الأثر الغربي (فيسبوك)
سادت ثم بادت. هكذا يمكن أن نلخّص حال الموسيقى الشرقية الكلاسيكية، في العقود الأولى من القرن الماضي. وقتها هبّت الموجة التغريبية تغرق كل من يقف في طريقها: المتمسِّكون بأصولهم الفنية، وتقاليدهم الموسيقية الموروثة، من دون تبديل ولا تحريف، جرفتهم الموجة إلى ركن قصي. أما من تخلوا عن إرثهم، فلم يروا بديلاً عن الخضوع الكامل، والتغيير الشامل. في هذه الأثناء، ظهر رياض السنباطي، فاختار السير على جسر فوق النار.

مع السنوات الأخيرة لعقد الثلاثينيات كانت صفحة الغناء الشرقي في قوالبه الكلاسيكية الأساسية قد طويت، لحساب غناء وألحان هجينين، تظهر فيهما آثار التغريب، ورفض الأنماط التقليدية. كان ظهور سيد درويش مؤذناً بانتهاء عصر محمد عثمان وعبده الحامولي، اللذين رحلا على التوالي عامي 1900 و1901، واستمر نفوذهما بعد الرحيل لنحو 20 عاماً.

وجه الشيخ سيد الجانب الأكبر من ثورته وجموحه إلى المسرح الغنائي، وهو ميدان يوفر تبريراً لكل ما يمكن أن يقدمه الملحن من مخالفة لما كان سائداً. مع رحيل سيد درويش، استلم محمد عبد الوهاب الراية، وطرح نفسه باعتباره زعيماً للمجددين. هكذا صبّ كل أفكاره التجديدية على القوالب المعتادة، وعلى رأسها القصيدة، والطقطوقة، والمونولوغ. وبالتوازي مع الانطلاقة الوهابية، أو بعدها بقليل، بدأ محمد القصبجي مشروعه مع أم كلثوم.

كانت الفترة من منتصف العشرينيات، حتى السنوات الأخيرة من عقد الثلاثينيات، فترة إحلال وتبديل، لأن الموجة الجديدة جاءت عاتية، ومحمولة على أهم صوتين على الإطلاق: صوت محمد عبد الوهاب بألحانه، وصوت أم كلثوم بألحان محمد القصبجي.

في هذا الواقع الغنائي والموسيقي، ظهر رياض السنباطي، ولمع نجمه سريعاً بعدما ضمته أم كلثوم ليكون العضو الثالث بفريق ملحنيها الذي ضم القصبجي ثم زكريا أحمد. بدأ السنباطي مسيرته وآثار القصبجي بادية في ألحانه، لاسيما عندما يكون النص من قالب المونولوغ، كما كان لعبد الوهاب أثره الواضح على غناء السنباطي، وأحياناً على بعض جمله الموسيقية.
لكن آثار هؤلاء الكبار لم تكن بالقدر الذي يطغى على شخصية السنباطي الفنية الأصيلة المتميزة القوية لأبعد الحدود.

وقف السنباطي على أساس متين، فهو مستوعب تماماً لأصول الغناء الشرقي الكلاسيكي، دارس متمكن لفن الموشح، حافظ لعدد كبير من أدوار القدماء، يحمل تقديراً كبيراً لسيد درويش. وهو مع كل هذا عازف عود مقتدر. لكنه سيبدأ مسيرته وفق الترتيبات المستجدة التي حكمت المشهد الغنائي والموسيقي. ومن خلال تأمل ألحانه لأم كلثوم. ووفقاً لترتيبها الزمني، تتضح معالم الخطة السنباطية في تطوير الموسيقى العربية من داخلها، مع مدها ــ عند الضرورة ــ بمقادير محسوبة من العناصر الغربية.

ألزم السنباطي نفسه بطريق صعبة، واتخذ سبيلاً يرفض الاستسهال، وأصر أن يكون إبداعه وفق القواعد، وأن يكون جديده مراعياً للأصول. لم تعرف موسيقاه تلك العداوة المزعومة بين التعبير والتطريب، ولا بين إشباع الجمهور والارتقاء بالفن. كان صاحب القفلات الفخمة الحراقة المحبوكة، التي تهتز لها الأفئدة، وتصفق لها الكفوف، لكن لن تجد له قفلة مبتذلة، لا غاية لها إلا استجداء الاستحسان الرخيص، والتصفيق الجهول. يبدأ السنباطي المقطع، ويسير به في طريق النغم وفق منطق يرضي العقل والقلب، ويظل مصراً على التسلسل "المنطقي" إلى أن يصل إلى ذروته بقفلة مشحونة بطرب كثيف دسم، لا يستطيع معه الجمهور أن يبقى على سكونه. كل ذلك لا جدال فيه، لكنه كان له نصيب من "التغريب المدروس"، ومن الصعب أن تنسب ألحانه إلى الكلاسيكية الخالصة.

فإذا أخذنا قالب "القصيدة" مثلاً، وهو القالب الذي كان ميداناً لسيادة السنباطي وريادته، فيمكننا أن نرصد أثر الموجة التجديدية التغريبية متمثلاً في البناء الدرامي الذي يقدمه السنباطي. فالقصيدة الغنائية بهذه الصورة لا تنتمي إلى القصائد الكلاسيكية في طرب عصر النهضة، حيث كان اللحن مجرد اقتراح لمسار مقامي يتمسك به المطرب، مع حرية كبيرة في التصرفات والتقطيع والتكرار. وأيضاً يختلف البناء الدرامي للقصيدة السنباطية عن قصائد الشيخ أبو العلا محمد، رغم الاتفاق في الانضباط اللحني والإيقاعي.

صحيح أن "المقادير" تفاوتت قليلاً من لحن إلى آخر، لكن "التوازن" كان هو الخط الذي يمتد على استقامته في كل ألحان السنباطي. وكان التطوير مراعياً دوماً لهذا التوازن الدقيق. نعم، تختلف "سلوا كؤوس الطلا" عن "ذكريات"، وتختلف "ثورة الشك" عن "أقبل الليل". وصحيح أن السنباطي استخدم البيانو، أو الأورغ، أو الأكورديون في أعمال معدودة، لكن ظلت هذه استثناءات لا تغير من المشهد الكامل لتعامله مع القصيدة العربية، ووصوله بها إلى ذروة فنية يصعب إدراكها، رغم التزامه بهذه التوازن الدقيق.


حتى في عزفه على العود، لم يخل أسلوب السنباطي من الأثر الغربي، الذي يمكن أن نلاحظه في كثرة استخدامه للأصوات المتصلة (فرداش) أو تتالي أنصاف النغمات (كروماتيك)، واختيار أسلوب خاص جداً للضرب بالريشة، بعيداً عن طريقة (النقر)، التي كانت شائعة جداً بين عازفي عصر النهضة، ونسمعها بوضوح في تسجيلات أمين بك المهدي، أو داود حسني، وبقدر أقل عند محمد القصبجي. كذلك اتسمت تقاسيم السنباطي بمسحة تأملية درامية، وأخذت أبعاداً فكرية أعمق من غيره من مجايليه أو من سبقوه.