روسيا والدبلوماسية العرجاء

روسيا والدبلوماسية العرجاء

26 ابريل 2015
+ الخط -

تطرح روسيا نفسها دولة قطبية وعالمية معنية بحل مشكل الكرة الأرضية. لكن الموقف السياسي الروسي يفتقد لهذا المنطق، وكأنها غير معنية بالواقع الذي يمارس على الأرض. لذا تعاني دبلوماسيتها أزمة فعلية في ممارسة العلاقات الدولية التي تسيطر عليها الازدواجية التي تظهر في مشاهد مختلفة، مثل اليمن وإيران وسورية. تمارس سياسة غير متطابقة مع المفهوم الدولي المعهود، وإنما ينطلق من مبدأ القوة والبلطجة والتعنت.
تعيش الدبلوماسية القيصرية نوعاً من التناقضات التي تفرضها ممارسة قادة السياسة لصقور الكرملين غير المتجانسة مع الواقع. إذا من غير المفاجأ أن تتلقى هذه الدبلوماسية صفعات متتالية في خلال ثلاثة مواقع دولية، كانت موسكو جزءاً من أزمتها في كل من اليمن وسورية وإيران. وكانت موسكو الخاسر الأكبر بهذه المواقع التي كانت صفعة حقيقية للدبلوماسية الروسية، وجاءت الصفعة الأولى من باب المعارضة التي حاولت أن تجمعها في إطار معارضة خاصة بنظام الأسد، توافق على أوراقها المقدمة، كي تقول إن الملف السوري بات في عهدتها، والأزمة السورية هي ليست أزمة، بل مشكلة إنسانية، يعاني منها الشعب السوري في ظل غزو منظم ومدعوم لقوى إرهابية خارجية، وهذه المعارضة والنظام متفقان على عملية التغيير السياسي الذي يضمن لحليفها الإيراني السيطرة على سورية، من خلال شخص الأسد الذي بات دمية يحركه "الحرس الثوري".
فشل اللقاء التشاوري السوري في موسكو، وانتهت الفرصة الممنوحة له للسير نحو حل سلمي للأزمة السورية، من خلال نعي مهرجي المعارضة الذين استحدثتهم روسيا لنظام الأسد، حيث نقول أغلبيتهم على نفقة مخابرات النظام، فالمعارضة التي طلبت من كازاخستان استضافة اللقاء المقبل، كانت تنعى جهود وتفرد روسيا بإيجاد حل للأزمة وعدم قدرة موسكو على احتواء الملف السوري، لأن مشكلة روسيا، بالأساس، لا تعترف بالمعارضة، ولا تقدر حجمها على الأرض، بل ترى أن النظام لا يزال قادراً على إنتاج الحل بواسطة القتل والبراميل والسلاح الروسي. 
وجاءت الصفعة الثانية من البوابة اليمنية، بعد قرار مجلس الأمن الذي كانت موسكو ولم ترفع شارة النصر، كما كان يفعل ممثلها فتالي شوركين أيام الفيتو بالموضوع السوري.
 حاولت موسكو تبني الانقلاب، لكنها لم تستطع إقناع الجميع برؤيتها ومشروعها المقدم من أجل حل الأزمة اليمنية الذي يظهر وقوفها مع طرف ضد آخر. أما الصفعة الثالثة فجاءت من البوابة الإيرانية على الرغم من إعلان الخارجية الروسية فك الحظر عن السلاح الروسي المرسل إلى إيران، كما أعلن وزير الدبلوماسية الروسية، سيرغي لافروف، وفقاً لقرار فك العقوبات الدولية، لأن مصالح روسيا التجارية تقتضي ذلك.
لكن هذه الخطوة باتجاه إيران تأتي من روسيا في إطار الصراع مع الغرب، ومن ناحية أخرى، تحاول روسيا أن تلتف على الموقف الإيراني الذي أذهله موقف روسيا في مجلس الأمن، لجهة رفع الفيتو وسكوتها عن تمرير القرار، وكأنه تعويض عن هذه الخسارة المادية التي تلقتها إيران بصفقة معنوية منها برفع الحظر عن المنظومة الصاروخية أس 300،  والذي اعتبرها الرئيس بوتين نظاماً دفاعياً فقط يحفظ لإيران أمنها، وفي الوقت نفسه، روسيا معنية بضمان الأمن القومي الإسرائيلي الذي يعتبر خطاً أحمر بالنسبة لموسكو. فالصراع الدولي، غالباً ما يكون أكبر وأقوى من التحالفات المرحلية التي فرضت على روسيا. لذلك، حاولت إرسال رسالة لإيران، أنها تعرف جيداً مدى تلهفها لإعادة علاقتها مع الولايات المتحدة بأي شكل، لكن الروس أخلاقيّاً وقفوا معها حتى آخر لحظة، وفي أصعب الظروف، في الوقت التي كانت سياسة إيران تمارس سياسة "عين على أميركا ورجل عند الروس". ولكن، مع تفاقم الأزمة ووصول الصراع إلى حدته بين دول الخليج وروسيا، وفي ظل سياسة القوة الجديدة التي تمارسها المجموعة الخليجية بوجهة الولايات المتحدة واكتسابها الشارع السني العالمي، انخفضت اللهجة الروسية في مواجهتها مع دول الخليج، بعد تكشير المجموعة عن أنيابها بوجه سياسة روسيا، وعدم رضى العرب والخليج عن هذه السياسة المزدوجة التي تقوم بها روسيا، والتي تعتبر جزءاً من الأزمة، وليس جزءاً من الحل. وربما رد سعود الفيصل كان بداية الإنذار العربي للروس بالمواجهة لعدم الرضى عن تصرفاتهم في سورية وباقي الدول العربية لأن المصالح العربية فوق المصالح العالمية، ومن هنا كانت الرسالة العربية للروس واضحة "بإمكانكم الوقوف ضدنا في مجلس الأمن، ورفع إشارة النصر باستخدام الفيتو، لكن المواجهة ستكون مفتوحة ومشروعة معكم بكل الوسائل"، وهذا الرد القاسي وضع الروس في مأزق، لأن فتح جبهة المواجهة مع الخليج يعني فتح كل الجبهات التي لا يمكن لروسيا تلقي نتائجها.
لدى العرب أوراق عديدة، يمكن تحريكها ضد روسيا، خصوصاً وأن روسيا تعاني من عقوبات دولية وصراع مع الغرب، ولا ينقصها فتح جبهات جديدة في الوقت الذي هي بحاجة لأسواقها. فالأوراق التي يمكن أن تبدأ بالدعم المباشر لأوكرانيا بالغاز والنفط وإقفال الأسواق العربية والإسلامية بوجه التجارة الروسية، وتحريك الشارع العربي والإسلامي بوجه روسيا، ما سينعكس على المكون الإسلامي داخل الاتحاد الروسي، وعلى الدول الإسلامية التي تقبع تحت سيطرة روسيا، مما ينمي شعور العداء لدى مسلمي روسيا. ويشكل هذا العداء حاضنة للمجموعات المتطرفة التي ستستخدم الحدود الروسية الأفغانية لأعمال عدائية.
ولكن الأهم بالنسبة لروسيا مشكلة أسعار النفط المتدنية التي تتحكم بها دول الخليج العربي، ما سيعرضها لأزمة اقتصادية كبيرة، ربما تتكرر فيها مأساة انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، عندما انهارت أسعار النفط بطريقة مفاجئة، وعكست نفسها على الأسواق السوفييتية. وفي ظل النكسات التي تتعرض لها الدبلوماسية الروسية، ومع تراجع قدرة الحليف الإيراني على التخريب والتهديد في الدول العربية، وارتمائها في أحضان الولايات المتحدة، وفي ظل الرد المفاجئ لدول الخليج العربي والعربية السعودية، بات على الروس التفكير الجيد بالحفاظ على مصالحهم في الدول العربية، وعدم الدخول في مواجهة ضد عرب الخليج. لذلك، كان الموقف الروسي الذي عبرت عنه موسكو بنوع من السكوت والتسهيل لمجلس الأمن، باتخاذ قرار جماعي، يدين أعمال المليشيات والعبث بحياة الدولة اليمنية.
 

avata
خالد ممدوح العزي (لبنان)