رمسيس ويصا واصف.. استعادة الفنون الفطرية

16 سبتمبر 2019
الصورة
(رمسيس ويصا واصف)

برزت منذ الأربعينيات العديد من الطروحات الفنية والمعمارية التي حاولت توظيف التراث المصري وتجديده بعد أن سادت طرز وأنماط متغرّبة في القرن التاسع عشر، ضمن محاولات تكريس هوية وطنية بدأت بالتبلور في أعقاب ثورة عام 1919.

شكّلت محاولات حسن فتحي (1900 – 1989) ورفيقه رمسيس ويصا واصف (1911 -1974) نموذجاً أصيلاً في تقديم عمارة بيئية تعبّر عن الإنسان وثقافته وتهتم بإشراكه في تصميم مبانيه وتنفيذها، وهو اتجاه صعد في أوروبا في تلك المرحلة وامتدّ إلى معظم المجتمعات حول العالم.

المعرض الاستعادي لتجربة واصف في "غاليري شريف تابت" في بيروت، والذي يتواصل حتى السادس عشر من الشهر المقبل؛ يضمّ أعمالاً فنية من النسيح والخزف والرسم تكرّس مقولته بأن الإبداع الفطري لم يجر استغلاله بعد.

خلال دراسته العمارة في باريس، بدأ واصف يعيد التفكير في الواقع المصري منطلقاً من محاولة تفسير سبب البرود والقبح الذي يحلّ محل المعمار التقليدي، حتى في الأحياء القديمة، واعتبر "طفح المباني الحديثة" حينها أنه بمثابة إهانة للحس الإنساني.

ركّز واصف جهده على محاكاة أشكال تنتمي إلى العمارة التراثية على أن تكون عملية ومريحة في وظائفها، واستعان في تطبيق رؤيته بالصنّاع متماهياً في ذلك مع العديد من المقاربات التي سعت إلى تكريس ثنائية الحِرفي/ المعماري التي ظلّت سائدة لقرون في الحضارة العربية الإسلامية، مع تأهيله وتطوير أدواته.

استطاع أن ينفّذ افكاره حين صمّم مدرسة في مصر بالشكل المعماري القديم، وهناك قرّر تدريب مجموعة من الطلاب على صناعة النسيج بعد افتتاحها، وقد أصبحوا جزءاً من فريقه الذي أسّس مركزاً للمنسوجات في قرية الحرانية بالقرب من مدينة الجيزة.

في المعرض، تقدّم تصميمات مشاريعه التي أقامها متأثراً بالعمارتين القبطية والإسلامية مع عناصر فرعونية، والحسابات الهندسية التي تضّمنتهما في بناء القبب والأقواس، مع تغييره في تصميم البيوت عبر تقريب غرف المعيشة والنوم من المرافق الصحّية خلافاً لما هو سائد في الأرياف.

تأثر العديد من أهالي الحرانية بأسلوبه، الذي انعكس في بنائهم القبب والأقبية من قوالب الطين المجفف باستخدام الأساليب القديمة التي تحترم البيئة، بحسب تنظيراته، وبنفس الطريقة بنى "متحف حبيب جورجي" الذي يضمّ عدة قاعات تشتمل على معروضات متنوعة بين أعمال خزفية وفخارية ونسيجية.

لم يفصل واصف بين العمارة والإنتاج بتعبيراته الاقتصادية والثقافية، وترجم ذلك من خلال إعادة توطين فنون صناعة السجاد والكليم في المركز الذي لا يزال يحمل اسمه لليوم، حيث يتمّ صنعها يدوياً على الأنوال الخشبية وصبغها بالأصباغ الطبيعة المستخرجة من نباتات الشاي والفول والكارفور التي يتم زراعتها في أرض المركز.

وقد صنَع العديد من المنسوجات التي يتضمّنها المعرض، وتظهر كأعمال فنية تحتوي رسومات لمواسم الزراعة والأعراس وزخارف حيوانية ونباتية بطابع تجريدي، وبانوراما تفصّل مشاهد الحياة الريفية حول النيل (الترعة)، ومجالس النساء والرجال حول الببوت أو تحت الأشجار العالية.

إلى جانب النسيج والعمارة، نفّذ واصف رسومات في عدد من الكنائس منها الكنيسة المشيخية ودير الآباء الدومنيكان وبطريركية الأقباط الكاثوليك ومطرانية الجيزة وكنيسة القديس مار جرجس، التي طوّر على عمارتها التقليدية من خلال إضافة النوافذ الجبسية والزجاج المعشّق الملوّن.

دلالات