رعد مشتّت: "الماضي والحاضر ليسا "زمنا" بل ذهنية ودور"

13 ديسمبر 2019
الصورة
مشتّت: دور فريد لتضحيات أبناء الطبقة المتوسطة (ملف المخرج)
+ الخط -

أكثر من 4 أعوام مرّت بين "صمت الراعي" وفيلمه الجديد، "تحت شجرة الليمون"، الذي يضع رعد مشتت اللمسات الأخيرة عليه حالياً. لمشتّت 3 أفلام روائية قصيرة: "شهرزاد" و"مشهد للحب وآخر للموت" و"تنويمة الجندي"، وهي حكايات عن الحرب ومنها، وعن العراق كحقل مفتوح لها.

بعد عودته إلى بلده عام 2003، أخرج أفلاماً وثائقية، شكّلت ذاكرة فيلمية مهمّة للتحوّلات التي عاشها العراق بعد الاحتلال الأميركي، أولها "خمسة وجوه"، ثم "الجحيم" و"الأمر رقم 1" و"موت معلن"، وآخرها سلسلة "أنفاق الخوف"، التي تكاد تكون وثيقة "حساب" بصرية عراقية فريدة، عما فعلته دولة الخلافة الإسلامية إبّان حكمها، منذ إعلان الموصل عاصمة لها، حتّى هزيمتها على الأرض المدمّرة.

أثار "صمت الراعي"، أول روائي طويل له، أصداءً واسعة في مهرجانات سينمائية عديدة، فاز في بعضها بجوائز مختلفة، كـ"جائزة الدولة للإبداع"، في الاخراج السينمائي. أما "تحت شجرة الليمون"، فيستمدّ تفاصيله من يوميات العنف في الموصل لحظة سقوطها.



بمناسبة وضعه اللمسات الأخيرة على جديده، التقته "العربي الجديد" في هذا الحوار:

بعد 4 أعوام على "صمت الراعي"، ها أنتَ تضع اللمسات الأخيرة على "تحت شجرة الليمون". ماذا عن فيلمك الجديد هذا؟
الموضوع الأساسي لـ"تحت شجرة الليمون" يتناول ما فعلته "دولة الخلافة الإسلامية" منذ احتلالها الموصل في 9 يونيو/ حزيران 2014، إلى لحظة سقوطها، ومعه سقوط خلافتها.

احتلّ تنظيم "داعش" مدينة الموصل، وأعلنها عاصمة لخلافته، بعد أنْ بَسَط سيطرته على مساحات واسعة من سورية والعراق، تفوق حجم بريطانيا، وتجاوز عدد سكانها 7 ملايين نسمة، وفرض، بحدّ "السكين على الدم"، هيمنته على أكثر أراضي البلدين خصباً، ومعها أكبر سدود للمياه ومنابع الثروات الطبيعية، وفي الصدارة منها البترول، وهدّدت سطوته تلك بغداد نفسها. عندها، أصبحنا ـ في بيوتنا، في قلب عاصمة العراق ـ "نتحسّس" السلاح، كي ندافع عن أنفسنا ومنازلنا وعائلاتنا.

في نهاية عام 2016، خاض العراق حرباً ضروساً ضد ذلك الكيان الطارئ على طبيعته. فالعراق هو عراق التنوّع الإثني والديني والعقائدي والروحي، كما شعوب الأرض كلّها اليوم. كان يشغلني، بحكم تجربة حياتية شخصية وعائلية، موضوع جرائم الدول أكثر من جرائم الأفراد، وهذا كان يُفزعني.


ما أصل فكرة الفيلم؟
أثناء اشتغالي على "أنفاق الخوف" ـ وهي سلسلة وثائقية مؤلّفة من 13 ساعة، أنجزتها لحساب "شبكة الإعلام العراقي الموحد (IMN)"، في إطار ما اصطُلح على تسميته "الحرب على الإرهاب"، فكراً وممارسة ـ كان الدمار وحده الجواب على سؤال أصل الفكرة. دمار أحال مدناً برمّتها إلى خرائب، وشرّد ملايين الناس من سكانها، وهم في حالة قصوى من الالتباس والتشظّي الاجتماعي ـ النفسي العنيف، محمَّلين بجراح غائرة فيهم، نتيجة تلك الحرب، التي لم تستثنِ أحداً، والتي أصابت الجميع بلوثتها.

ما تأثير "أنفاق الخوف" على فكرة "تحت شجرة الليمون"؟
استبدال المنظومة القيميّة الراسخة لشعب سهل نينوى ـ وهو شعب متنوّع الأعراق والأديان والمعتقدات، وتسود في حياته مظاهر الحداثة والتمدن ـ بمنظومة عقائدية سلفية مؤدلجة، ومغرقة في تزمّتها، ومفروضة عليه بأقسى أنواع العنف، أدّى (الاستبدال) إلى تصادم جذري بين هذه المنظومة السلفية المقفَلة والحياة المتمدنة للموصل.

الموصل حاضرة تاريخية، وثاني أكبر مدن العراق المعاصر، وبيت لكلّ مظاهر الحداثة والقيم الإنسانية الحديثة، التي تعكس عالم اليوم، والتي يصعب، بل يستحيل دحضها مهما بلغت درجات الترويع والتدجين.

هذا المحتوى حرّضتني عليه تجربة سلسلة "أنفاق الخوف". وفي فصول تسجيل ذلك الرعب بصرياً، وفي معانيه، التقيتُ، في مخيمات النزوح ـ الممتدّة من سنجار، أقصى شمال البلد، إلى صحراء كربلاء في الفرات الأوسط ـ عشرات الضحايا والشهود، الذين رووا قصصاً مروَّعة عن حكم "دولة الشريعة". التقيتُ أيضاً عشرات الأساتذة الجامعيين، ومفكرين وباحثين وعلماء آثار وأطباء، بالإضافة إلى مسؤولين، وممثلين فاعلين عن منظّمات المجتمع المدني. اللافت لانتباهي، الذي أصبح أساس فكرة "تحت شجرة الليمون"، كامنٌ في الدور الفريد للتضحيات المُدهشة لأبناء الطبقة المتوسطة العراقية، في هذه المدينة الغالية في التاريخ، في مواجهة تلك الغيوم السوداء، التي أحالت نينوى وسهلها إلى جحيم.

حسنا. لكن، ماذا عن حكاية الفيلم؟
تمرّ الدكتورة هديل الشمّاع، ابنة جرّاح معروف وأستاذ في كلية الطب في مدينة الموصل، في تجربة مريعة، حين يغتال "جند التنظيم" زوجها أمام عينيها. لكن، بدلاً من أنْ تحيلها التجربة إلى حطام، تنبثق من أعماق كيانها الجريح طاقة تجعل خسارتها الفادحة حكاية بطولية شخصية فذّة. في طريق عاصفة العنف والفوضى والخوف، التي تقطعها سيراً على أطراف أصابعها، على حافة الموت، مغامرة بوجودها الحيّ وحده، لا تدافع الدكتورة هديل عن شيء سوى كيانها، الذي هو أثمن ما في أعماقها، وعن إيمانها الأصيل بأنّ الحياة أثمن ما في الوجود، فالدفاع عن هذه الحياة ليس نذراً وقسماً، وهي طبيبة، بل طبيعة أصيلة في صميم وجودها الإنساني والحضاري، وهو يواجه صورة المستقبل بطرح أسئلة جارحة.

أهناك مسافة بين "صمت الراعي" و"تحت شجرة الليمون"؟
"صمت الراعي"، في وجه من وجوهه، عين على جريمة الماضي، في محاولة شخصية لإدراك ما جرى من وحشية وعنف، وهما أمران طَبَعَا ماهية السلطة في العراق، منذ أنْ تسنّم العسكر والحزبيون، المتنمّرون على المعرفة والتاريخ، شأن إدارة الدولة العراقية الحديثة. ما أعنيه بالماضي ليس الزمن، بل الذهنية وتعبيراتها المتجسّدة في الوجود الحيّ للمجتمع ومؤسّساته الفوقية، كالدولة وأجهزتها، وكذلك كياناته القبلية العميقة، ومُثُلها وأعرافها، في مواجهة الفرد والجماعات العُزّل.

أقرأ العنف مرة أخرى في "تحت شجرة الليمون"، الذي هو عين على الحاضر، ولا أعني هنا أيضاً الزمن، بل الدور الحيّ لقيم العصر، حين تتحوّل إلى بناء عضوي في وجود الفرد وكيانه، ويكون الدفاع عنها ليس دفاعاً عن الذات وحدها، بل عن الملايين، عقلاً وروحاً، في مجابهة هذا السطو المريع على الحاضر، ومعه المستقبل كلّه.

نعرف أنّ أغلب صنّاع الأفلام العراقية يعانون جرّاء مسألة الإنتاج. هل واجهتك هذه المشكلة؟
محنة كبيرة لجميع شغّيلة السينما في هذا البلد المسروق. ففي الأعوام الـ5 الأخيرة، لم تتمكّن الدائرة المتخصّصة بالسينما في البلد، وهي "دائرة السينما والمسرح"، من صنع "فْريم" واحد في عمل سينمائي، في بلد يحتشد بالقصص كاحتشاد جراحه وآلامه. "حنفيات" المال، من ميزانيات انفجارية، لم يشهد لها العراق في تاريخه مثيلاً، ظلّت طوال عقد ونصف عقد من الزمن مفتوحة إلى أقصاها على امتيازات النخبة الحاكمة، ومعاركها الطائفية المقيتة، التي سبّبت زهق أرواح مئات ألوف المدنيين، بينما سُدّت تماماً أمام نور المعرفة الأول لدى المجتمعات كلّها، وأقصد بهذا الثقافة.

بدلاً من أن ينهض الفنّ السينمائي في العراق، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على امتداد البسيطة في العقود الـ4 الأخيرة، بسبب إضراباته وحروبه وعذاباته، مع أنّ السينما العراقية تستحيل رافداً من روافد السينما العالمية، التي هي اليوم مرآة الشعوب ومحنها، وروعة كفاحها وجماله، من أجل الحرية والحياة، بدلاً من هذا، ظلّت السينما، ومعها كلّ فعل إبداعي عراقيّ متفرّد، مجمّدة في ثلاجة الموتى.

وإذا كان القطاع الخاص، في اقتصاديات الدول المصنّعة للسينما، المموّل والمنتج الأساسي، ففي بلد كالعراق، ليس هناك قطاع خاص بالمطلق، يجازف بدرهم واحد من ماله لاستثماره في شيءٍ اسمه السينما، لأسباب واضحة للجميع. والمبادرات، التي تجرّأ على خوض غمارها فنانون وسينمائيون عراقيون داخل البلد وخارجه، بقيت فردية، ولم، ولن تُشكِّل، في المدى المنظور، نهضة صناعية يستحقّها هذا البلد ومبدعوه، من أقصاه إلى أقصاه، كما في المنافي التي تنتشر على خطوط الطول والعرض كلّها، حيث تشتّت العراقيون.

لذا، تتحمّل المؤسّسة الثقافية الرسمية، ومعها المعنيون بقيمة السينما ودورها الرفيع، مسؤولية كبيرة في تعبيد الطريق، بدعم الإنتاج السينمائي العراقي وتمويله، وخلق مبادرات تجعل من هذا الفنّ حقيقة صناعية بارزة، ينضوي لخلقها آلاف من المبدعين السينمائيين العراقيين وحرفيّيها. سينما نريد لها أنْ تكون بحجم أحزاننا، وفي الوقت نفسه بكِبَر عزائم أهلنا، بأحزانهم وأفراحهم، إنْ تكن كبيرة أو صغيرة، وهي تعاين المستقبل بآمالٍ، عصيٌّ عليّ أنْ أحصي أو أقيس آفاقها.

دلالات

المساهمون