رصاص مجدداً في بيروت: حروب أهليّة محليّة

رصاص مجدداً في بيروت: حروب أهليّة محليّة

24 مارس 2014
الصورة
يتفقد خسائره بعد ليلة الاشتباكات (أنور عمرو ــ Getty)
+ الخط -

رويداً رويداً، تنحو الحياة السياسية في لبنان إلى المزيد من العنف، الذي صار التطبع معه نذير خطر حقيقي. من الشمال إلى البقاع فالجنوب، مروراً ببعض ضواحي بيروت، "معارك صغيرة" يومية يتابع اللبنانيون تفاصيلها كما لو كان الأمر "طبيعياً". ولطالما كان الحرص على تحييد بيروت، بقدر الإمكان، عن هذه المعارك، أو على الأقل وسط بيروت، أولوية لحفظ بعض ماء الوجه عند المتمسّكين بأشلاء الدولة. مرّت أشهر قبل أن تعيش شوارع المدينة معارك كالتي عاشها حيّ "الطريق الجديدة" في العاصمة اللبنانية، ليل السبت ــ الأحد.

وتمثّل منطقة الطريق الجديدة لاعباً بارزاً في الاشتباكات المتقطّعة. وللمنطقة أهميّة جغرافية وسياسيّة، فهي محاذية للضاحية الجنوبية لبيروت، حيث معاقل حزب الله، وهي الخزان الشعبي لتيّار المستقبل في بيروت. اتّخذت الاشتباكات في المنطقة طابعها المذهبي، للمرة الأولى بعد انتهاء الحرب الأهليّة، في أحداث جامعة بيروت العربيّة في العام 2007 بين أنصار تيار المستقبل (الموالاة آنذاك) وحزب الله وحركة أمل (المعارضة حينها). ثم اتّسعت لتشمل كل أحياء العاصمة في السابع من مايو/أيار 2008. بعد اتفاق الدوحة الذي أنهى اشتباكات مايو/أيار 2008، عاشت بيروت هدوءاً حذراً تحوّل إلى توتّر مستمر بعد اغتيال رئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن.

ومنذ مايو/أيّار 2012، أخذت الاشتباكات في الطريق الجديدة شكلاً مختلفاً، مع دخول "التيار العربي" بقيادة شاكر البرجاوي على خطّ المواجهات مع تيّار المستقبل، بعدما أصبح حليفاً لحزب الله. فبعد مقتل الشّيخ أحمد عبد الواحد على حاجز للجيش اللبناني في عكار، اندلعت اشتباكات بين المستقبل وأنصار البرجاوي شلّت الحياة في بيروت على مدى 3 أيام، قبل أن يتدخّل الجيش، وتنتهي الاشتباكات بإخلاء البرجاوي لمقره في قلب طريق الجديدة.

ليل السبت ــ الأحد، عادت المعارك بين التيارين إلى الساحة بعد إشكال فرديّ بين أحد مناصري البرجاوي وأحد مناصري "المستقبل"، تطوّر ليصبح اشتباكات مسلّحة "بعدما هاجم 85 مسلّحاً تابعاً لتيار المستقبل منزل مناصر لنا، إذ أحرقوه وطردوا العائلة من المنطقة"، على ما يروي البرجاوي لـ"العربي الجديد"، وهو الذي يُقرّ بأن مناصريه افتعلوا الإشكال. ينفي مسؤول الإعلام في تيّار المستقبل عبد السلام موسى هذا الأمر، إلا أنّ البرجاوي يقول إنّ "المستقبل" بات يستعين بـ"سلفيين لبنانيين وفلسطينيين وسوريين في المعارك". ويقول موسى لـ"العربي الجديد"، إن تيار المستقبل "لا يشارك في الاشتباكات لأنّه ليس ميليشيا ولكن هناك أمن منطقة يردّ على الاستفزازات، وليس بالضرورة أن يكون المشاركون منتمين للتيار. نحن تيار مدني والسلاح خارج أدبيّاتنا".

والبرجاوي صاحب تاريخ حافل. فقد تنقّل منذ بداية الحرب الأهليّة بين ولاءات عدّة، حيث قاتل إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية ثم انتقل الى العراق حيث قاتل الى جانب نظام صدام حسين في حربه مع إيران، ومن بعدها اعتقله النظام السوري قبل إطلاق سراحه في العام 1991.. ليعود ويظهر مجدداً في أحداث السابع من أيار 2008، حين وقف ضد "استباحة حزب الله لبيروت" حسب ما قال وقتها. لكنّ مواقف البرجاوي تبدّلت بعدها، ليصبح أحد حلفاء "حزب الله".

يقول البرجاوي إن الاشتباكات المستمرّة بينه وبين التيّار سببها الخلاف في السياسة. "هذه الممارسات غير مقبولة، فلا يجوز أن يتحالف تيار المستقبل مع حزب الله في السّياسة وأن يُجيّش الشارع مذهبياً"، على حد قوله.

من جهته، يرفض موسى هذا الاتهام، ويُشدد على أن "الاتهام غير صحيح لأنّ التيار لا يتّبع هذه السياسة ولم يتعاطَ بهذا الشكل مع أي فصيل في أي من مناطقه. نحن في مرحلة أمنيّة صعبة ونحاول أن نتفادى أي مشكلة. لا نتحمل مسؤولية الاستفزازات". وسبق لبيروت أن شهدت إشكالاً مسلّحاً في أكتوبر/تشرين الأول 2013 بين آل شملي المؤيدين لحزب الله، ومناصرين لتيّار المستقبل في الطريق الجديدة أيضاً.

يرى موسى أنّ ما يحصل في الطريق الجديدة هو "جزء من مسلسل يحصل في مناطق تيار المستقبل". ويقول إن "ما يجري في بيروت، وتحديداً في الطريق الجديدة، هو كالذي يحصل في عرسال وطرابلس وصيدا. وكأنّ هناك مخططاً بافتعال إشكالات أمنيّة في مناطق التيار من قبل جهات تابعة للنظام السوري، مهما اختلفت تسمياتها، لإظهار التيار على أنّه بيئة حاضنة للسلاح". ويشير إلى أن "الجيش موجود في الطريق الجديدة ودائماً ما ندعوه للقيام بواجبه في مناطقنا"، من دون أن ينسى التشديد على "حق المواطن في المقاومة".

لم يظهر بعد الهدف من الاشتباكات في طريق الجديدة، إلا إذا كان هذا الهدف يقتصر على توتير الوضع الأمني وترهيب الناس. الأكيد أن ما يجري في الطريق الجديدة، شأنه شأن ما يجري في العديد من المناطق اللبنانيّة، دليل قاطع على تراجع سلطة الدولة لمصلحة "زعماء الأحياء". هو شكل من أشكال الصراع الأهلي.


 

المساهمون