رحلة إرنست رينان إلى الجليل.. أفضل مكان لعيش الفلاسفة

13 ابريل 2019
الصورة
أرنست رينان في مكتبه، عمل فني (ويكيبيديا)
+ الخط -

في سنة 1860 سيقوم المفكر الفرنسي إرنست رينان (1823/ 1892) بـ رحلة إلى لبنان وسورية، على رأس بعثة للحفريات، مهمتها البحث في الآثار المسيحية، وهذه الرحلة هي التي ستشكّل الخطوط العريضة لأطروحته حول حياة المسيح ولعدد من الدراسات والأبحاث التي قام بها في مجال الأركيوليوجيا الدينية، كما أنها ستدفعه إلى زيارة القدس والكتابة عن انطباعاته حول المنطقة، الضاجّة بالشواهد الدينية، الإسلامية، والمسيحية واليهودية.

وقد أصدر في سنة 1864 كتابه "حياة المسيح"، وهو الكتاب الذي بسط فيها ملاحظاته حول المسيحية، ما أثار عليه غضب الكنيسة، وفي كل الأحوال، لقد وصل الأمر إلى تكفيره من قبل البابا، لكن ذلك لم يوقفه رغم الإجراءات التأديبية التي تعرض لها، وفي سنة 1869 سيقوم برحلة أطول وأشمل إلى مصر واليونان وسورية وتركيا وصولاً إلى بلدان الشرق الأقصى، متتبعاً الخيط الناظم للديانات التوحيدية: الإسلامية والمسيحية واليهودية، ما سيفجر سجالاً أكبر طاول منتجه الفكري.

لكن رغم الإبعاد المؤقت من المناصب الأكاديمية ومن التدريس في الكوليج دو فرانس، وفشله في الانتخابات النيابية، فإنه سينال عضوية الأكاديمية الفرنسية عام 1878 ليدخل إلى كابيتول الخالدين.

لا يسمح المجال هنا بالحديث عن أثر إرنست رينان الفكري ولا إسهاماته الكبيرة في مجال الدراسات الدينية والتاريخية، أو أعماله الأدبية الأخرى ودراسته الرائدة حول ابن رشد، في زمن وجد فيه مع مفكرين كبار، أمثال عالم الاجتماع إيميل دوركايم، والفيلسوف أوغست كونت، وغيرهما. ولكن لا بد من تسجيل الرجة القوية التي أحدثها الرجل في مجال الدراسات الدينية واقترابه من موضوعات شديدة الحساسية، كانت الكنيسة في ذلك الوقت تعتبرها خطاً أحمر، ولكن يبدو أن إرنست الشاب قد أفسدته الفلسفة التي التحق بأقسامها سنة 1840.

ولم تكن الفلسفة هي التي أوقدت نيران الشكوك في نفس إرنست رينان، بل كان علم الفيلولوجيا هو الذي طرح عليه أشد الأسئلة حيرة. ولم يكن هذا التوسع المعرفي إلا حصيلة رينان الشاب، ومثابرته، كما أن رينان الشيخ، لم يكن رجلاً متهالكاً منعزلاً، فحتى وهو يتجاوز السبعين من عمره، كان بصدد إكمال دراسته التي صدرت في مجلدات "أصول المسيحية".

وغير هذا، فنظرته الدونية إلى الجنس السامي، وتفضيله الجنس الآري، باعتبار أن الأول غير قادر على الارتقاء إلى مرتبة الفعل العقلي، وأن قوة الثاني في ميله إلى العقل العلمي، جرت عليها انتقادات كثيرة، خصوصاً أنه حاول التقليل من شأن الحضارة العربية الإسلامية.


جزء من العمل

لا يمكن فصل كتب إرنست رينان الرحلية عن مشروعه البحثي الصميمي حول المسيحية، ولذلك جاءت زيارته إلى بلاد الشام، وترأسه لفرقة بحث أثري، ضمن هذا السياق. وقد كانت زيارته إلى فلسطين والأراضي المقدسة أمراً ضرورياً للاعتبار والتفكر، ولا نعدم بالتالي الكثير من التعليقات النفاذة التي تختصر رؤيته إلى الدين بشكل عام.

وهو من هذه الناحية يختلف أشد الاختلاف عن الرحالة الآخرين، الذين هرعوا إلى المشرق العربي مسحورين أو باحثين عن أشياء أخرى، أو مسخرين في إطار بعثات استكشافية همها الأول والأخير رصد استخباري للمنطقة، التي ستشهد بعد ذلك أحداثاً كبيرة سعت إلى تفتيتها وتغيير وجه تاريخها إلى الأبد.

لكن، كل من ذهب وعاد يسكنه انطباع أن المنطقة، وبالتحديد فلسطين، منطقة عصية على التغيير، وأن عربها الذين سكنوها قدرهم أن يعيشوا في هذه الأرض وعلى هذه الرقعة، سواء متاحبين أو متناحرين. فهذا لم يكن جديداً على المنطقة ذات الثقل الديني المسيحي اليهودي الإسلامي.

يكتب رينان، في أثناء وصوله إلى الناصرة "لم تزل الناصرة حتى يومنا هذا مكاناً رائعاً للإقامة، لعلها المكان الوحيد في فلسطين الذي تشعر فيه الروح بأنها تحررت من الثقل الذي يعتصرها وسط هذا القنوط الذي لا مثيل له، فالناس في هذا المكان ودودون وبشوشون، والحدائق فيها يانعة الخضرة، وقد وضع أنطوان مارتير في نهاية القرن السادس لوحة ساخرة لخصوبة ما يحيط بالمكان، مقارناً إياها بالجنة".

وربما هذا ما يميز رينان عن غيره من الرحالة، دقة المعلومة التاريخية، والقدرة على اللعب بها، هنا في الحاضر وفي المستقبل، ومنحها حياة أخرى، خارج إطار النظر المقدس للأشياء. ثم وضع المكان نفسه، ليس ضمن الرواية الإنجيلية، ولكن تأمله من موقع أكبر وأشمل، يمكن أن ننعته بالمقاربة التاريخية للنص الديني، وإخراج النص من طبيعته الجامدة المقيمة في الكلمات، إلى طبيعة متحركة أكبر، تمنحه حياة ووجوداً، وتجعله يتنفس ويختبر مقدار صدقيته بين الناس في العالم.

وبالتالي، حين يتحدّث عن المكان المقدس الذي عاشت فيه العذراء، فإنما يتحدث عن مكان قائم على نوع من التسامح، وهذا التسامح هو ما يمنحه أسطورته وسطوته، على بقية الأماكن الأخرى في فلسطين وفي بلاد الشام.

وهو يضيف مفتوناً بالمدينة "تترامى بعض الوديان الواقعة على الجانب الغربي منه، والينبوع الذي كانت تتحرك حوله حياة وحيوية المدينة الصغيرة قد تهدم، وصارت قنواته المشققة لا تعطي سوى الماء العكر. بيد أن جمال النساء اللواتي يتجمعن حول الينبوع ليلاً قد تمت ملاحظته في القرن السادس، في هذا الجمال الذي تتبين فيه هبة العذراء قد بقي على حاله على نحو يدعو للدهشة، إنه نموذج الجمال السوري بكل رشاقته المليئة بالخدر الحالم، وليس هناك أدنى شك في أن مريم العذراء كانت تأتي إلى هنا كل يوم تقريباً، وهي تحمل جرتها على كتفها، متخذة مكاناً لها بين رفيقاتها اللواتي بقين في الظل.

ولاحظ (انطوان مارتير) أن النساء اللوتي يحتقرهن المسيحيون في الأماكن الأخرى تجدهن ممتلئات بالبشاشة، وحتى في أيامنا هذه نجد أن الأحقاد الدينية أقل حدة في الناصرة مما هي عليه في الأماكن الأخرى".


جبل الكرمل

طبوغرافية المكان تفرض نفسها على إرنست رينان، ومن ذاكرته التي تستحضر التاريخ، يحاول أن يرسم لوحة جديدة للمكان، وقد أبهجه حتماً، وربما، بعبارة أقوى، صعقه الامتداد الرائع لجبل الكرمل، يقول "يبدو أن الأفق من هنا ضيق، بيد أن المرء إذا صعد قليلاً، وبلغ الهضبة المعرضة لهواء الجبل والتي تهيمن على أكثر المنازل ارتفاعاً، يصبح أفق المشهد أمامه رائعاً، وتنبسط على جهة الغرب خطوط جبل الكرمل الرائعة، والتي تنتهي برأس حاد يبدو كأنه يغوص في البحر.

ومن ثم تمتد القمة المزدوجة التي تشرف على مجدو وجبال نابلس بأماكنها المقدسة التي تعود إلى عصر البطارقة من جبال جيلبوه، هذه المجموعة البيتورسكية التي ترتبط بها الذكريات الجميلة والذكريات الرهيبة لـ سويم وعين دورة وجبل التابور، بشكل المستدير الذي كان الأقدمون يشبهونه بالثدي".


عنصرية مستغربة

التفاوت الحضاري بين العالم الإسلامي وأوربا في القرن التاسع عشر دفع إرنست رينان إلى الاعتقاد بتفوق الجنس الآري على الجنس السامي، وأن الآريين مؤهلون أكثر للعلوم والابتكارات، وقد صاغ على ضوء ذلك نظريته التي جلبت عليه الكثير من الانتقادات، لكونها بالأساس غير علمية، وعنصرية، وتضرب في الصميم مشروعه البحثي والعلمي.

يقول رينان في هذا الشأن في كتابه "الإصلاح الفكري والأخلاقي" بأن هناك فرقاً بين الأعراق، وهو قول مردود من أساسه، يكتب:"خَلَقت الطبيعة عرقًا من العمال. هو العرق الصيني المتصف بشطارة يده العجيبة وبخلوه من عز النفس. احكموه بالعدل آخذين منها مقابل نعمة هذه السياسة أجرًا كبيرًا لصالح العرق المظفر يرضَ. ثم عرقًا من الفلاحين: الزنج. عاملوه بالمعروف والإنسانية يستتبّ النظام. ثم عرقًا من الأسياد والجنود: الأوروبيين. ليعمل كل واحد ما خُلق من أجله يستقِمِ الأمر".

ولو كان إرنست رينان، ابن الصياد البسيط، بيننا اليوم، لشنت عليه حملة شعواء، ولوجهت له الاتهامات بالعنصرية وتبخيس الأعراق الأخرى. وهذه ثغرة كبيرة، على عظمة الرجل وتنوع إنتاجه الفكري والثقافي وصموده في وجه الحملات التي شنتها عليه الكنيسة، وصراعه المرير في هذا الصدد من الفكر المتحجر والمحافظ. لكن السقطات والزلات تغفرها أحياناً الفتوحات الفكرية والشجاعة الأدبية التي لم تكن تعوزه.


الجليل.. ونشيد الإنشاد

سلبت حيفا والجليل لب إرنست رينان، وهو هنا في هذا النص الذي ترجمته الدكتورة مي عبد الكريم، ونشر ضمن كتاب "رحالة رومانطيقيون" يقدم لوحة في غاية السحر، يكتب: "هناك في الجانب الشمالي جبال صفد، وهي تميل نحو البحر وتحجب مار جان عكا، إلا أنها تفسح المجال لرؤية خليج حيفا.

هذا هو الأفق الذي كان المسيح يراه، وهذه الدائرة المسحورة حيث ملكوت الله، حيث كان يتجلى له العالم خلال سنوات طوال، حتى إن طفولته لم تخرج إلا قليلاً من الحدود المألوفة. إذ إن بإمكان المرء أن يرى في ما وراء الجانب الشمالي وعلى سفوح حرمون قيصرية فيليبس وحدها الناتئة من عالم الوثنيين، ويشعر بجبال يهودا الحزينة على الجنوب خلف جبال السامرة العابسة، والتي حفت بفعل الريح التمردات القاسية الحارقة والموت.

ولو كان العالم قد بقي مسيحياً، مع إدراكه لمفهوم أفضل من يعنيه احترام الأصول، وأراد أن يستبدل الأماكن ذات القدسية المزيفة الشحيحة التي ارتبط الوعي الديني بها منذ العصور البدائية، بأماكن مقدسة حقيقية أخرى، فعليه أن يبني معبده فوق مرتفعات الناصرة هذه. فهناك وعند النقطة التي شهدت ظهور المسيحية، وفي المركز حيث سار نشاط مؤسسها ينبغي أن تقام الكنيسة العظيمة، حيث سيكون بإمكان جميع المسيحيين أن يصلّوا فيها.

وهناك أيضاً على هذه الأرض حيث رقد يوسف النجار وآلاف من سكان الناصرة المنسيين الذين لم يجتازوا واديهم، سيكون الفيلسوف في موضع أفضل من أي موضع آخر في العالم، كي يتأمل أحوال البشر ويواسي نفسه من الكذب الذي تلحقه هذه الأحوال بميولنا العزيزة علينا، وأن يطمئن على الهدف السماوي الذي يتبعه العالم رغم الإخفاقات العديدة، والغطرسة الكونية.

هناك طبيعة أخاذة تسهم في تكوين هذه المروج التي تتسم باعتدالها، وبأنها إن جاز لي القول أقل توحيدية في هذه الطبيعة التي أضفت على جميع أحلام الجليل مظهراً مثالياً جذاباً. وإن أكثر مناطق العالم خوفا هي المنطقة الواقعة جوار بيت المقدس، وعلى العكس منها نرى أن الجليل هو بلد أخضر وظليل وضاحك للغاية.

إن حقل بلد نشيد الإنشاد، وبلد الأناشيد التي تتغنى بالحبيب، إذ يصبح الريف فيه في شهري آذار ونيسان بساطاً أخضر، وتكتسي ألوانه نقاوة لا تضاهى، وإن الحيوانات في هذا الريف صغيرة الحجم، بيد أنها في منتهى الرقة، فهناك الترغلات الرشيقة الحية، والشحارير السوداء الخفيفة التي تحط فوق الغصن دون أن تثنيه، وهناك قبرات لا تهاب الدنو من المسافر، وسلاحف الجداول الصغيرة بعيونها المتقدة الناعمة، واللقالق

التي كانت لها هيئة مستحبة رصينة. فهي ما إن تتجرد من خجلها حتى تترك الأمر يقترب منها، وتبدو كأنها تدعوه، وليس هناك بلد في العالم تنبسط فيه الجبال بمثل هذا التناغم، وتوحي بما توحيه هذه الأفكار الرفيعة.

يبدو أن المسيح قد أحب على نحو خاص هذه الجبال، إذ إن أفعاله الأكثر أهمية قد جرت عليها، وهي أفضل مكان يلهمه. فعليها أقام مع الأنبياء القدامى مباحثاته السرية، وكان يظهر على أتباعه وقد تغيرت هيئته".

دلالات

المساهمون