رئيس تونس المقبل والأزمة الليبية

27 اغسطس 2019
الصورة
يطرح استحقاق الانتخابات الرئاسية في تونس سؤالا عما إذا كانت تونس ستستمر في سياسة الحياد بشأن الأزمة الليبية، أم أن البرامج الانتخابية للمرشحين تشي بغير ذلك؟ لكل من المرشحين الـ26 في الانتخابات التي ستجري في منتصف الشهر المقبل (سبتمبر/ أيلول)، رؤية محدّدة للأزمات في الإقليم، وخصوصا النزاع في ليبيا، والذي أصبح حربًا أهلية، تأثّرت بها دول الجوار الجغرافي، وفي مقدمتها تونس، ما يعني أن توجّهًا جديدًا قد تشهده تونس تجاه الأزمة الليبية، بعد الاستحقاق الرئاسي.
تعتبر تونس أكثر دول الجوار الجغرافي الليبي تأثرًا بالنزاع، لاعتباراتٍ جيوسياسية، فهي ذات حدود مشتركة برّية على طول 459 كيلومتراً، ولديها ثلاثة معابر حدودية، انتقل عبرها إلى تونس ليبيون كثيرون فارّون من أتون النزاع. كما شكّلت ليبيا تهديدًا أمنيًا لتونس، خشية انتقال عناصر إرهابية وأسلحة، وهي التي تعاني صعوباتٍ اقتصادية وسياسية، رافقت عملية الانتقال الديمقراطي. وقد حافظت تونس، في عهد الرئيس الراحل الباجي السبسي، على مجموعة من المرتكزات تجاه الأزمة الليبية، في مقدمتها الحفاظ على الأمن الوطني، بضبط الحدود، والحؤول دون انتقال الأزمة إلى الداخل التونسي، وهو ما يتطلب حفاظ تونس على مسافة واحدة من كل الفرقاء الليبيين، والتركيز على نهج الحوار سبيلا لحل الأزمة بالطرق السلمية.
وقد جعل موقف تونس، وهو الحياد والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، دورها أكثر فعاليةً 
وقبولًا لدى كل الفرقاء الليبيين، خصوصا أنه ليس لدى تونس طموحٌ بامتلاك نفوذ في ليبيا، أو حتى التنافس مع القوى الأخرى الإقليمية فيها، فهي تقارب الأزمة من بوّابة تعظيم مصالحها الاقتصادية مستقبلًا، بغض النظر عن شكل النظام السياسي في ليبيا. ولذا عملت تونس على ضرورة التنسيق مع الحكومة الشرعية في طرابلس (حكومة الوفاق)، وتنفتح على كل الفرقاء الليبين في الوقت ذاته، فاستقبلت شخصيات رسمية ليبية عديدة، من أهمّها رؤساء حكومة الوفاق، فايز السّراج، ومجلس النواب، عقيلة صالح، والمجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، وكل ممثّلي المشهد السياسي والشعبي في ليبيا، وأهمّهم رؤساء المجلس الأعلى للقبائل والمدن اللّيبية.
ويمكن التنبؤ بالنهج الذي يتبعه رئيس الحكومة (المستقيل)، ومرشح حزب تحيا تونس للانتخابات، يوسف الشاهد، فمن المحتمل عدم حدوث تغيير جوهري في حال فوزه، لأن حكومته ساهمت في صياغة محدّدات الخطاب الخارجي للأزمة الليبية، وهو ما يقود إلى المرشح الآخر، عبد الكريم الزبيدي، وزير الدفاع في حكومة الشاهد، قبل استقالته. وبالتالي قد تكون مقاربة الرجلين للأزمة الليبية استمرارا للنهج السابق، القائم على الحياد الذي تبنته تونس في فترة رئاسة السبسي، وهما الأكثر معرفةً واطلاعا على الملف الليبي، باعتبارهما صانعي دبلوماسية تونس تجاه ليبيا. وذلك على عكس رئيس "حراك تونس الإرادة"، المنصف 
المرزوقي، الذي يتبنّى موقفًا واضحًا، عبّر عنه مرارًا، برفضه العملية العسكرية التي يقودها حفتر، ويرى فيه تهديدًا للعملية السياسية في ليبيا، وشدّد على ضرورة بناء دولةٍ مدنيةٍ يكون دور العسكر فيها حماية حدودها وأمنها، وليس التدخل في الحياة السياسية كما حدث في مصر بعد انقلاب يوليو 2013. ويتقاطع موقف المرزوقي هذا مع موقف حركة النهضة، ومرشّحها عبد الفتاح مورو، من الأزمة الليبية، وإنْ بحمولة أكثر دبلوماسيةً من طرح المرزوقي، خصوصا أن الحركة عبّرت عن رفضها العمليات العسكرية في طرابلس ومحيطها، على خلفية شن اللواء المتقاعد خليفة حفتر هجومًا عسكريًا في مطلع إبريل/ نيسان الماضي على العاصمة طرابلس التي توجد فيها الحكومة الشرعية، بذريعة محاربة ما سماها "الجماعات الإرهابية"، في إشارة إلى حركات الإسلام السياسي في ليبيا، و"النهضة" حزب سياسي وطني ذو مرجعية إسلامية، أي أنها تقع في إطار الجماعات التي يحاول حفتر، المدعوم إماراتيًا وسعوديًا، محاربة أخواتها في ليبيا.
ويقدّم رئيس الحكومة السابق ومؤسس حزب البديل التونسي، المرشّح مهدي جمعة، الاقتصادي
على السياسي، وعليه تقع قضايا الإصلاح الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار وتوفير فرص العمل والنهوض بالدولة التونسية في صلب برنامجه الانتخابي، ما يجعل مقاربته للأزمة الليبية من بوابة الاقتصاد، وليس من بوابة السياسة، وبالتالي سينعكس استقرار ليبيا بالضرورة إيجابًا على الاقتصاد التونسي، لا سيما أنها سوقٌ قريبٌ للطاقة التي تحتاجها تونس من جهة، وسوق للعمالة التونسية، ما يعني أنه سيحاول، في حال فوزه، أن يرسم دورا لتونس في ليبيا، يوازن بين الحياد السياسي والتدخل في سبيل تحقيق مكاسب اقتصادية.
أيًا كان الرئيس القادم لتونس، فإنه سيواجه ملفاتٍ على المستوى الإقليمي، تحتاج إلى رسم استراتيجيات واضحة تجاهها، في مقدمتها الأزمة الليبية التي تلقي بظلالها على الداخل التونسي، وأي تناقضٍ أو انزلاق باتجاه طرفٍ دون آخر ستكون له نتائج سلبية على الأمن الوطني والاقتصاد التونسي مستقبلًا.