ليبيا والغرب ولعنة الموارد

03 نوفمبر 2018
الصورة
قاد الصراع الدائر في ليبيا إلى استنزاف أصول الاقتصاد الليبي ومقدّراته، وتراجعت إيرادات النفط على خلفية تدني الإنتاج، وساهم ضعف حكومة الوفاق الوطني في السيطرة والتحكّم بموارد البلاد، وخصوصا في منطقة الهلال النفطي، في تحولها هدفا يسعى كلّ طرف إلى بسط نفوذِهِ عليها، لأهميتها في تغيير توازنات القوى الداخلية السياسية والاقتصادية، ومنحها قدرة على تمويل نفسها. وقد خضعت منطقة الهلال النفطي خلال السنوات الماضية لصراعات بين كتائب ومليشيات مسلحة، استنزفت ثروة ليبيا وكلفتها خسائر كبيرة، وانعكست سلبًا على الحياة الاقتصادية والمعيشية للمواطن، إذ أدّى النزاع المسلح بين الكتائب المختلفة على منطقة الهلال النفطي إلى تراجع إنتاج النفط في ليبيا إلى 700 ألف برميل يوميًا، في منطقة جيوسياسية مهمة تضم أكبر موارد النفط وحقوله في البلاد، وتشكل 80% من قطاع النفط الليبي، وتقع فيها موانئ تصدير النفط الخام، ومنها السدرة، وهو الأكبر (سعته الاستيعابية ستة ملايين برميل، وطاقته الإنتاجية 400 ألف برميل يوميًا) ورأس لانوف (طاقة إنتاجية 220 ألف برميل يوميًا)، والزويتينة (سعة تخزينية 6.5 ملايين برميل)، والبريقة (طاقة استيعابية 1.5 مليون برميل).
وكانت آخر حلقات الصراع على منطقة الهلال النفطي سيطرة كاملة للعقيد  خليفة حفتر الذي أدرك أهميتها في تقوية نفوذه وهيمنته. وما أن حسم الصراع لصالحه، حتى ظنّ نفسه قادرا على تغيير الواقع في منطقة ذات أهمية جيواستراتيجية بالنسبة للقوى الفاعلة في ليبيا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. فقد أصدر حفتر، في 25 يونيو/ حزيران 2018، قرارًا يقضي بنقل تبعية المنشآت النفطية إلى المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للحكومة الليبية المؤقتة التي تتخذ مدينة البيضاء (شرق) مقرًا لها. وتعد هذه المؤسسة موازية للمؤسسة 
الأصلية في طرابلس، التابعة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، وهي من المؤسسات التي ظهرت جرّاء التشظي السياسي والمؤسساتي، مثل إنشاء مؤسسة موازية لمصرف ليبيا المركزي. ولاقت هذه الخطوة معارضة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، في بيانٍ عارض نقل تبعية حقول النفط من راس لانوف والسدرة ووضعها تحت سيطرة كيان آخر غير المؤسسة الوطنية للنفط التي يرأسها مصطفى صنع الله والتابعة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وطالب البيان بضرورة أن تبقى الموارد الليبية الحيوية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط الشرعية، وتحت الرقابة الوحيدة لحكومة الوفاق الوطني، ورفضها تصدير النفط بشكل غير مشروع، بما في ذلك النفط الخام والمنتجات البترولية المكرّرة من ليبيا، من مؤسسات موازية لا تعمل تحت سلطة حكومة الوفاق الوطني. وقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ترحيبها بإعادة إنتاج النفط وتصديره، ورفع القوة القاهرة، بعد تسليمها المؤسسة الوطنية للنفط. ما يدل على أن مقاربات الدول الخارجية تحرّكاتها ترتبط أساسا بالمناطق الجيواستراتيجية بالنسبة لها في ليبيا، وخصوصا منطقة الهلال النفطي التي تعد مصدر الطاقة الأساسي في ليبيا، وهي لا تكترث بالحرب الأهلية التي تسبّبت في معاناة الليبيين، ولم تقم تلك القوى بأي تحرّك فعلي تجاه الصراع الذي اندلع في أغسطس/ آب الماضي في طرابلس ومحيطها.
وعليه، توفر المتغيرات الاقتصادية عنصرًا مهمًا في فهم سلوك القوى المحلية ومواقف القوى الدولية تجاه الأزمة الليبية، في ظل توجه أغلب التحليلات والبحوث إلى التركيز على المتغيرات السياسية. وهو يطرح تساؤلًا بشأن أهمية النفط الليبي في خريطة الطاقة العالمية مع بدء سريان الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على قطاع النفط الإيراني. وستُحدث العقوبات الأميركية على قطاع النفط الإيراني نقصًا في الإمدادات، ما يعني ارتفاعا في الأسعار، وهو ما لا تطيقه ميزانيات الدول الغربية التي تعاني اقتصاداتها من أزماتٍ داخلية، ويدفعها إلى البحث عن
 معادلات جديدة تضمن أمنها الطاقوي، على اعتباره محدّدًا أساسيًا في السياسية الخارجية للدول الأوروبية التي تعتمد أساسا في تدوير عجلة اقتصادها على النفط والغاز، إذ يتجه الاتحاد الأوروبي اليوم إلى تنويع مصادر الطاقة، كالاعتماد على الطاقة الشمسية الحرارية والشمسية الكهروضوئية والطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية، والتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي، خصوصا بعد أزمة جورجيا والأوضاع غير المستقرة في أوكرانيا، والعقوبات الأميركية على قطاع النفط الإيراني، ما يعزّز مخاوف دول الاتحاد من احتمال توقف إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعارها مع ارتفاع الطلب العالمي عليها، وهو ما قد يسرّع من رغبة تلك القوى في إحداث حالة من الاستقرار في ليبيا، ودفع عجلة التسوية السياسية التي تضمن استقرارا داخليا يزيد من قدرة قطاع النفط الليبي على إحداث توازن في سوق الطاقة العالمي. ولعل الحراك الدبلوماسي للقوتين المتنافستين في ليبيا (فرنسا وإيطاليا) يصب في اتجاه دعم جهد دولي لتحقيق استقرار في ليبيا للحد من ارتفاع أسعار الطاقة والبحث عن البدائل، من خلال دبلوماسية المؤتمرات، إذ من المزمع عقد مؤتمر دولي برعاية إيطالية في باليرمو لمناقشة الأزمة الليبية.