ذكريات اليوم الدراسي الأوّل في الجزائر

07 سبتمبر 2018
الصورة
يوم للمرح أيضاً (العربي الجديد)
+ الخط -
اليوم الدراسي الأوّل في الجزائر في حياة كلّ طفل يكاد لا ينسى. ويستعيد بعض الآباء ذكرياتهم في مرحلة مختلفة عن الزمن الحالي. كان هذا اليوم عيداً للبعض ومصدر خوف لآخرين. ويبقى أنه يخلق ذكريات تُروى

في اليوم الدراسي الأوّل، يرافق معظم أولياء الأمور أبناءهم في سنتهم الدراسية الأولى. ويستعيد بعضهم ذكرياتهم في المدرسة. حين رافق الكاتب والإعلامي محمد طيبي ابنه إلى المدرسة في منطقة خنشلة شرق الجزائر، لاحظ أن الصغير كان مقبلاً على سنته الدراسية الأولى، هو الذي كان قد ألف البقاء في جوٍّ مختلف عن البيت خلال وجوده في الحضانة. لكن الوالد يتذكّر أن هذا لم يكن حاله. "كنت مشاغباً جداً في طفولتي قبل دخولي المدرسي، وكنت حراً في بلدتي خنشلة. وعلى الرغم من صغر سني، كنت أتأخر في العودة إلى البيت، إلى أن جاء اليوم الذي أحدث فرقاً في حياتي، وهو اليوم الدراسي الأول". يضيف: "كانت المدرسة بالنسبة إليّ سجناً كبيراً، وكنت خائفاً من كل شيء. لم أعهد غلق الأبواب أو الالتزام بالوقت. لكن بدا لي أن واقعي تغير. كان المدرّس صارماً، ما دفعني إلى مقاطعة الدراسة أياماً إلى أن حوّلت إلى قسم آخر فيه مدرّسة. وتأقلمت مع واقعي الجديد شيئاً فشيئاً".

عبد الوهاب داودي، وهو قائد في الكشافة الإسلامية الجزائرية، يدير مدرسة ابتدائية في أم البواقي شرق البلاد، أشرف على استقبال التلاميذ الجدد. حاول توفير أفضل ما يمكن للتلاميذ الجدد الذين يدخلون المدرسة لأوّل مرة، هو الذي يتذكر يومه الأول في شهر سبتمبر/ أيلول في عام 1975 في مدرسة حمودي السعيد في مدينة عين البيضاء شرق الجزائر. يضحك كثيراً، ثم يقول: "كان والدي مستشاراً تربوياً. بكيت كثيراً في اليوم الأول من المدرسة ولم أرد البقاء. حاول والدي إقناعي ثم مررت على الأقسام في المدرسة حتی وجدت مدرّسة اسمها شريفة. احتضنتني وبقيت في صفها. أذكر أن حقيبتي الأولى كانت كبيرۃ نوعاً ما ولونها أسود، وكنت أرتدي مأزراً أزرق اللون". يضيف أن "تلاميذ اليوم تتوفر لديهم ظروف أفضل بكثير من أيامنا السابقة".



على عكس أطفال اليوم الذين يتاح لهم الاستعداد للمدرسة من خلال رياض الأطفال والأقسام التحضيرية، لم يكن هذا متوفراً للصحافي أحمد سكوم. لكنّه كان محظوظاً كون والده نجح في إدخاله إلى المدرسة في سن الخامسة، أي قبل السن المقرر قانوناً في السادسة. يقول: "ذهبت في يومي الأول إلى مدرسة قريبة من منزلنا برفقه والدي رحمه الله. كان عمري خمس سنوات وكان مدرّسي مصرياً، وما زلت أذكره جيداً". وما زال الإمام نور الدين لعموري يذكر كيف أضاع قلمه في يومه الدراسي الأول. يقول: "أخذني جدي رحمه الله إلى المدرسة في منطقة عين وسارة في ولاية الجلفة وسط الجزائر. شعرت بأنني في مكان غريب بين أطفال لا أعرف معظمهم. وأذكر أنني أضعت قلمي".

لديهم ذكرياتهم حول المدرسة (العربي الجديد) 


بدوره، يتذكّر الصحافي قدور جربوعة يومه الأول في المدرسة قبل أكثر من 25 عاماً في بلدة أولاد الربيع في ولاية المسيلة. في ذلك الوقت، كانت ظروف العائلات الجزائرية صعبة، خصوصاً في المناطق الداخلية التي كانت تعاني وضعاً أمنياً صعباً. وكان التمييز نتيجة الظروف الاجتماعية واضحاً. يقول: "أتذكّر جيّداً ذلك اليوم الذي دخلت فيه المدرسة لأول مرة. كان يوماً غريباً لطفل في ظل الفقر الذي نعيشه. والدي لم يستطع أن يشتري لي حقيبة، وكنا نعيش في قرية نائية يعاني سكانها من الفقر المدقع. اشترى لي بعض القرطاسية، وحاكت لي أمي حقيبة. كنت أنتظر بزوغ الفجر، علماً أن المدرسة كانت نائية، ولم يكن فيها إلا مدرّس واحد في ظل الأزمة الأمنية في البلاد". يوضح أن "صورة المدرّس تغيّرت كثيراً بالمقارنة بالوقت الحالي". يقول: "كان للمدرّس في أيامنا هيبة. حتّى أنّ والدتي كانت تهدّدنا به في البيت. وعلى الرغم من أنني عشت طفولة محرومة، ولم أكن أملك المال لشراء كتب، إلا أنني نجحت في دراستي وأصبحت صحافياً والتقيت بشخصيات كنت أراها على التلفزيون الأبيض والأسود، فيما أصبح مدرسي السابق مديراً لإحدى المدارس".



ولم تكن الظروف والتطور التكنولوجي يتيحان للعائلات الجزائرية توثيق دخول أطفالها إلى المدارس في يومهم الأول على عكس الوقت الحالي. وإن لم يكن هناك توثيق، ما علق في بال عبد القادر بوماتع كان مختلفاً. "في عام 1986، أخذني والدي إلى مدرسة جديدة افتتحت في الحي، وقد سميت باسم أحد شهداء ثورة التحرير. دخلت القسم بعد مناداة استمرت طويلاً لطوابير من التلاميذ. كنت خائفاً من دخول هذا العالم، في حين بدا والدي سعيداً وقد حقق حلمه هو الذي لم يعرف المدرسة". يضيف: "ما خفّف من خوفي هو تلك المدرسة التي استقبلتنا وجعلتنا نشعر بأننا في مكان للّعب. هذا جعلني أصحو باكراً في اليوم التالي. كان اليوم الأول يشبه العيد".

رضوان بوعالية يحب تذكّر أيام الدراسة الأولى. كان ذلك في شهر سبتمبر/ أيلول عام 1976. ولم تكن ظروفه العائلية تتيح له شراء حقيبة حال باقي الأطفال فاستعاض عنها بحقيبة مصنوعة من البلاستيك. "في ذلك اليوم، ارتديت مأزراً رمادي اللون، وكانت تسريحة شعري عسكرية. كنت أضع بطاقة على صدري الأيسر تحمل صورتي واسمي. أتذكر أن المدير كان يقف في مدخل المدرسة التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية. كان المدرّس سورياً ويدعى أبو الخير. وحظيت بفرصة دق جرس المدرسة النحاسي ذي السلسلة الفولاذية، وكان ذلك بمثابة فخر وشرف لي". الجرس النحاسي القديم لم يعد موجوداً في مدارس البلاد، وقد استبدل بآخر كهربائي.

المساهمون