ذاك الفهم المقلوب

11 اغسطس 2020
الصورة
الزراعة تواجه الأزمات في سورية (فرانس برس)

في الاقتصاد خاصة، من الخطأ الغرق دائماً، بالكم والشكل والوزن، إنتاجاً وتصديراً، وتغافل النوع والسعر والعائدات، فأرباح تصدير أطنان من صخور البناء أو حتى مواد أولية، زراعية أو ثروات باطنية، ربما لا تصل قيمتها إلى صادرات بضع كيلوغرامات من مكونات أجهزة الكمبيوتر أو أي تكنولوجيا متطورة لصناعات مدنية أو عسكرية.
وهنا لن نتكلم عن المعرفة كسلعة وصادرات الخبرة والاستشارات أو جدوى وعائدات الخدمات والتكنولوجيا، لأن ثمة غربة وفجوة، بين اقتصاداتنا العربية الريعية بمجملها، وبين التكنولوجيا.
إذ قلما رأينا أو سمعنا بالمنطقة عن حساب الأصول المعرفية ضمن أصول الشركات، ثابتة كانت أو غير مادية، والفرق الهائل التي تحدثها تلك الأصول على أسعار الشركات وأسهمها وتقييمها.
بل سنأتي على حسب الإمكانية والواقع ووفق سقوفنا التي ارتضيناها واطئة، والخبر من القطن السوري.
اعتاد صناع القرار بسورية، ومنذ الطفرة الزراعية التي أحدثها رئيس الحكومة "المنتحر" عام 2000، محمود الزعبي، أن يتفاخروا بكمية الإنتاج الزراعي، وحفظ المهتمون أرقام الإنتاج الزراعي عن ظهر قلب لشدة تكرارها خلال الاحتفالات الوطنية والتغني بإنجازات الراحل حافظ الأسد.
ففي سورية وصل إنتاج القمح عام 2005 إلى نحو 5 ملايين طن، وتعدّى إنتاج الحمضيات والقطن وقتذاك عتبة المليون طن، بيد أن الاستفادة من تلك الثروات كانت بحدودها الدنيا، لأنها تصدر خاماً من دون الاستفادة من القيم المضافة، وخاصة بالحلقات الصناعية النهائية، كالألبسة الجاهزة بعد الأقمشة مثلاً، والتي ربما تصل إلى أكثر من 1200%.

 

 

وأما ما نبش هذا الوجع الذي يبدو ملهاة الآن، بواقع ضياع سورية بمن وما فيها، هو تباكي حكومة بشار الأسد اليوم على تراجع إنتاج القطن إلى 100 ألف طن متوقعاً لهذا الموسم، من دون الإشارة إلى هذه الزراعة الشرهة للمياه وآثارها على منسوب المياه الجوفية ببلد يشتري مياه الشرب من الصهاريج، أو، وهو الأهم، من دون التطرق إلى كيفية الاستفادة من المليون طن بطفرة الإنتاج، وكيف رفعت مصر والاتحاد الأوروبي عام 2003 قضايا على حكومة الأسد، بتهم إغراق أسواقها بالغزول السورية.
ربما يقول متابع، ولكن حازت سورية يوماً المرتبة الثانية عالميا في إنتاج القطن من حيث وحدة المساحة، وتبوأت المركز الثالث آسيويا في إنتاج القطن العضوي بعد الصين وتركيا، وشغلت هذه الزراعة نحو مليون سوري، فكيف تتنكر لدور القطن وتسخّف طفرة الإنتاج السوري.
الرد بأقصره وأبلغه ربما بأسئلة، ما هي نسبة العمال الذين يقطفون القطن يدوياً إلى المليون، في حين أن الدول المتقدمة تجنيه عبر حصادات منذ عقود، وماذا كانت تشكل هذه الصناعات الزراعية من نسبة الصادرات، والأهم ما هو نوع الاستفادة القصوى من القيم المضافة لصناعة النسيج، وكم كان حجم الخيوط بمخازن الشركات الحكومية. والأوجع، كيف تبرر استيراد سورية الألبسة والأقمشة القطنية حينذاك، وهي بالمراتب الأولى عالمياً بالإنتاج؟!
نهاية القول: من قلة الإنصاف التقليل من أهمية الزراعة، بل واعتبارها خصوصية كما تفعل هولندا مع الزهور ومنتجات الألبان، أو كما تعود الطماطم والحمضيات بمكاسب سياسية على تركيا، لكن كلمة السر -عود على بدء- بكيفية الاستفادة والترشيد وعدم اللهاث وراء كم الإنتاج الزراعي ليصدر خاماً، هذا إن وجد أصلاً طريقه إلى الخارج.

 

 

فالسوريون يذكرون، وعلى سنوات طوال، كيف يحجم مزارعو الطماطم بدرعا جنوبي سورية أو منتجو الحمضيات بمدن الساحل غربها، حتى عن جني المحاصيل لئلا تزيد خسائرهم، حين لا تصل الأسعار إلى تكاليف الإنتاج.
وكذلك القطن اليوم، فبدلاً من تباكي حكومة الأسد من تراجع الإنتاج إلى 10% مما كان عليه، ربما الأجدى التفكير في كمية القطن المحلوج الناتج وحجم الغزول ومدى حاجة المنشآت، ليصار إلى العمل بعد التفكير على استغلال تلك الكمية حتى آخر حلقة، صناعات الألبسة، وقتها سيجدون أن القصة ليست وزناً وحجماً، بقدر ما هي تشغيل مخ واستغلال الثروات بشكلها الأمثل.