ديمقراطية مكبّرات الصوت

الصورة
استبقت "النهضة" جلسة البرلمان وأقرّت موقفها (فتحي بلعيد/فرانس برس)

أقرّ مكتب البرلمان التونسي عقد جلسة عامة يوم 3 يونيو/ حزيران المقبل تتضمّن النظر في لائحة "الحزب الدستوري الحر" الذي ترأسه عبير موسي، حول رفض البرلمان التدخل الخارجي في ليبيا، وأقرّ أيضاً حواراً حول "الدبلوماسية البرلمانية في ما يتعلّق بالوضع في ليبيا"، بحسب بيان لمجلس نواب الشعب.

وسيكون يوم 3 يونيو/ حزيران المنتظر يوماً مليئاً بالصراخ تحت قبة البرلمان، اعتاد على مثله التونسيون كثيراً منذ سنوات. يبدأ بفريق يهاجم وآخر يدافع، ثمّ ينفضّ المولد ويعود الجميع إلى قواعده، من دون أن ينتفع المواطن بشيء، ومن دون أن يغيّر أي حزب أو كتلة رأيه في شيء.

وليس أدلّ على ذلك من أنّ حركة "النهضة" ذاتها، التي يرأسها راشد الغنوشي، رئيس البرلمان المطالَب بالمساءلة، عادت في بيان لها بمناسبة عيد الفطر، لتهنئ "الشعب الليبي الشقيق وحكومته الشرعية المعترف بها دولياً، بالنجاح في السيطرة على أجزاء شاسعة من التراب الوطني الليبي وإحلال الأمن والطمأنينة بها". ودعت الحركة، في بيانها مساء السبت، إلى أنّ "تتداعى مختلف أطراف النزاع إلى طاولة الحوار والتشبث بالخيار السلمي والتفاوض لحقن الدماء وتحقيق المصالحة الشاملة وقطع الطريق أمام كل التدخلات والأطماع الأجنبية". وهو ما يعني أنها استبقت الجلسة وأقرّت موقفها، ولن يستطيع أحد أن يعتصم في البرلمان أو في غيره ليطالبها بتغيير هذا الموقف.

ويقود هذا التكييف السياسي لدى بعض الأحزاب إلى فهم طريقة ممارستها للسياسة، إذ يتصوّر كثير منها أنّ الخطابات تحت قبة البرلمان وفي شاشات التلفاز ستغيّر الناس وستدفع بهم إلى الالتحاق بصفوفها، وأنّ هذا المسار يمكن أن يغيّر المعادلات السياسية في البلاد. والحال أنّ الأرقام والاستنتاجات السياسية التي خلُصت إليها كل الاستحقاقات والانتخابات الماضية؛ التشريعية والرئاسية والبلدية، متاحة أمام الجميع، ودروسها وعبرُها لم تجف بعد. وقد فسّخت الانتخابات أكثر الأحزاب ارتفاعاً للأصوات وأكثرها صراخاً، وأبعدت شخصيات كبيرة لم تنتبه إلى أخطائها إلا بعد فوات الأوان، ولكن من يعتبر ومن يسمع؟

يردّد بعض النواب التونسيين أنّ من بينهم من ينسجم مع زميل له من حزب منافس، ولكن بمجرد أن تنتقل إليه الكاميرا ويحين دوره في التحدث، يلبس دوره المعارض ويستعيد معجمه الرنّان، متصوراً أنّ الجماهير العريضة ستهتف له بمجرد أن ينتهي، ويُحمل على الأكتاف في الشوارع والساحات. غير أنّ الساحات والناس منشغلة بالخبز وحالة الطريق وامتحانات أبنائها والعطب في قناة إيصال الماء الصالح للشرب وفاتورة الكهرباء، بينما يتصوّر مناضلونا أنّ ديمقراطية مكبرات الصوت ستحوّلهم إلى زعماء.

تعليق: