دنْفِرْ... حُلم يستيقظ

06 يوليو 2020

كانت الفرحة تدغدغ عبد الرحمن الذي حصل أخيراً على تأشيرة زيارة الولايات المتحدة الأميركية، ولأوّل مرّة، بعد متابعة جادّة ومستفيضة، وقضاء وقت ليس بالقليل ليصل إلى هذه النتيجة -الحلم- الذي كان يُحاول كثيرون غيره، من أصدقاء وزملاء من تحقيقه والفوز به، لا سيما أنَّ الوضع الاقتصادي في بلد مثل سورية في حينها كان يتطلّب من الناس البحث عن باب رزق ودَخل يُخفّف من وطأة الفاقة والعوز الذي يُعاني منه الأهالي.. هذا يعني أنَّ الحصول على تأشيرة دولة عظمى لها أسمها، مثل الولايات المتحدة، البلد الاقتصادي العملاق، تُعد مكسباً كبيراً، وتشكل في حد ذاتها بعداً آخر وفرحة لا يمكن إخفاؤها، أو طمسها سواء بالنسبة لأسرته وأهله وأصدقائه ومعارفه.

وبعد إلصاق الفيزا على صفحات جواز سفره الداخلية، وتحديد فترتها بمدة زمنية لا تتجاوز الثلاثة أشهر، يمكنه من خلالها السفر ولمرة واحدة، والتوجه إلى الولاية التي يرغب الذهاب إليها، ولكن عليه الالتزام بعدم تجاوز فترة الإقامة التي ستمنح له من قبل موظف الجوازات في المطار داخل الأراضي الأميركية، وفي حال تجاوز التعليمات المتبعة، وبقي فيها أطول من المدة المقررة فهذه تعد مخالفة قانونية لنظام الإقامة، وفي حال فكر العودة اليها من جديد، فإنّه من حق موظف الجوازات في المطار من إعادته إلى بلده، وبدون مبرّر، في حال أن تأشيرة الزيارة تضمّنت زيارات متعدّدة.

هذه تعليمات الإدارة المركزية للعاملين في مطارات الولايات المتحدة الدولية الرئيسة التي تستقبل جميع المسافرين سواء لجهة الإقامة، الزيارة، أو العمل لحملة الجنسيات غير الأميركية.

وكان عبد الرحمن يعرفُ بعض الشيء عن هذه الإجراءات، وهو الذي لم يسبق له السفر إلى أي دولة، أو عرف كيفية التعامل بكل هذه المستجدات التي أصبحت بالنسبة له فيها من الاستغراب الشيء الكثير، باستثناء بعض الزيارات القصيرة إلى عدد من الدول العربية والأجنبية القريبة من بلده.

وتشاء الصدف أن يكون يوم موعده في مقابلة موظف السفارة الأميركية في دمشق لجهة الحصول على موافقة السفر التي بحث عنها مطولاً، في الرابع من يوليو/ تموز عام 1999، وهو ما يعرف بيوم الاستقلال، أو باليوم الوطني في أميركا، وفي هذا اليوم كان من حظ عبد الرحمن أن يكون موعده مع موظف السفارة وإجراء المقابلة الشخصية له، والمقابلة وحدها ستحدّد منحه الفيزا من عدمه، وبعد طرح الموظف على عبد الرحمن عدداً من الأسئلة واقتناعه بإجابته وافق أخيراً على منحه الفيزا، ولمدة ثلاثة أشهر، أي أن عليه أن يسافر خلال هذه الفترة، وعلى أن تكون الزيارة لمرّة واحدة فقط.. وبعد انتظار لنحو نصف ساعة في صالة السفارة الفسيحة تسلّم جواز سفره، وفتح صفحاته وتأكد من موافقة القنصل على منح إذن السفر إلى الولايات المتحدة، وتوجه عبد الرحمن مباشرة إلى خارج بهو السفارة غير مصدق حصوله على تأشيرة العُمر بالنسبة له، وفرحته بهذا الإنجاز الطيّب بعد متابعة مستمرة ومحاولات جادّة.

بعد حوالي أسبوعين من الحصول على الفيزا توجه عبد الرحمن الى أحد مكاتب السياحة والسفر في مدينته الزراعية التي تتوسد جسد نهر الفرات الخالد لشراء بطاقة طائرة وتأكيد الحجز استعداداً للسفر إلى بلاد يجهلها، والذهاب إليها ليس بالأمر البسيط.

قبل سفره بأيّام نفّذ عبد الرحمن وعده بشراء خروفين وتوزيع لحومهما على الأسر المعوزة تنفيذاً لما أكد عليه باراً بالوفاء بوعده لوجه ربّه، وبعد أن أوفى ما بذمته، قرّر السفر أخيراً بعد أيام.. وقبل ذلك تقدم بطلب إلى إدارته، وهو الموظف في إحدى المديريات الحكومية، يرجو فيه الموافقة على منحه إجازة سنوية بدون أجر حتى يطمئن على وظيفته خوفاً من خسارته لها في حال عودته الى بلده خالي الوفاض. وقبل سفره بأيام وافقت الإدارة المركزية على منحه الإجازة السنوية والتي تبدأ بعد أسبوع من تاريخ سفره، وفي هذه الحالة اطمأن تماماً، وكان فرحاً بخوضه تجربة السفر إلى دولة طالما رغب الكثير في زيارتها سواء بهدف الزيارة أو العمل..

كانت رحلة عبد الرحمن طويلة وشاقة، وقضى ساعات طويلة حتى تمكّن أخيراً من الوصول إلى آخر نقطة اختارها في رحلته.

فزيارته بدأها من الرّقّة المدينة التي ولد وعاش فيه سنوات عمره الثلاثين، باتجاه مدينة عمّان الأردنية، ومنها الى دبلن الايرلندية التي تم فيها إبراز جواز سفره، وختم الى جانب الفيزا بخاتم دخول من قبل موظفين أميركيين يعملون فيها، ومنها انتقل إلى شيكاغو الأميركية الواقعة على بحيرة ميتشيغان في الينوى، من بين أكبر المدن في الولايات المتحدة الأميركية التي اشتهرت بهندستها المعمارية الجريئة، ولها أفق تتخلله ناطحات سحاب عديدة، كما تشتهر المدينة بمتاحفها المتنوعة، بما في ذلك معهد شيكاغو للفنون الذي يضمّ أشهر الأعمال الانطباعية، الى جانب معالم السياحة في شيكاغو التي تعتبر من أهم معالم أميركا السياحية البارزة. وصوله إلى مدينة ميتشيغان كان لافتاً، وكان عليه الالتحاق بالطائرة التي ستقلع بعد حوالي ساعتين والمتوجهة إلى مدينة دنْفَرْ، في ولاية كولورادو الأميركية.

في مقاطعة ميتشيغان، في مطار مدينة ديترويت التي تحتضن أكبر مركز لخطوط الطيران الأميركية نورث ويست الجوية، كما يعد مطار ديترويت من بين ثلاثة عشر مطاراً الأكثر ازدحاماً في الولايات المتحدة من حيث حركة الركاب، كما يحتوي على أكبر عشر بوابات دولية في الولايات المتحدة، ورحلات جوية إلى أكثر من مئة وستين وجهة في كندا والولايات المتحدة والمكسيك ومنطقة البحر الكاريبي، وأوربا، الشرق الأوسط، وآسيا.

وفي داخل المطار توجّه عبر المطار إلى إحدى الصالات الضخمة، والتي تضم مرافق للتسوّق، وإلى جانب عدد كبير من المطاعم الأشهر في العالم، والحال كذلك في الصالتين الأخريين اللذين يضمّهما المطار، والتي تحتضن النظام الآلي لنقل الأهالي بعربات القطار، وإكسبرس ترام لنقل الركاب القادمين من طرف الصالة إلى الطرف الآخر وصولاً إلى ثلاث محطات مختلفة داخلية، وفي ما يزيد عن ثلاث دقائق تصل عربات الترام في نفس الوقت إلى المحطات الداخلية وتغادر في اتجاه معاكس، فضلاً عن أنّه يضمّ العديد من الآلات المختلفة للفحص بالأشعة السينية وأجهزة الكشف عن المتفجرات على نظام نقل الأمتعة.

وبعد أن وصل داخل المطار في مدينة ديترويت إلى البوابة الرئيسة الخاصة بانطلاق الطائرة الى الجهة المراد السفر إليها في مقطعها الثالث والأخير، وبعد حوالي ساعة ونصف من التحليق في الجو على ارتفاع ثلاثة وثلاثين ألف قدم، وصل إلى مدينة دنْفر عاصمة ولاية كولورادو الأميركية التي تصنّف من بين أكثر المدن الأميركية أماناً، كما أنّها تعرف بمدينة الميل ارتفاعاً، وذلك لارتفاعها ميلاً كاملاً عن سطح البحر، وتعد دنْفَر عُرضة للتغيرات الطقسية المفاجئة، وتتميز بوجود أربعة مواسم، وتتلقى كمية متواضعة من الأمطار على مدار العام، كما يُعد شهر تموز هو الأكثر دفئاً، مع وجود بعض العواصف الرعدية التي تضرب المدينة بعد الظهر، أما شهر كانون الأول فهو الأكثر برداً.. والمعروف أنَّ الولاية جبلية في مجملها غير أن هناك سهولاً ومسطحات في شمالها الشرقي، كما أن سلسلة جبال الروكي في الوسط الغربي تعدّ جزءاً منها، وتجتذب منتجعات التزلّج التي تشتهر بها آلاف الزوار في فصل الشتاء.

ويغلب اللون الأحمر على رمال الولاية، وأغلب سكانها من البيض الذين يشكلون ثمانية بالمائة، يليهم السود، ثم الأسيويون، وغالبية السكان من المسيحيين مع أقلية من اليهود، وعلى الرغم من أقليتهم إلّا أن الولاية هي مركز لإحدى أكبر التجمعات اليهودية والبوذية في الولايات المتحدة.

وصل عبد الرحمن مدينة دنْفر الجبلية في ساعة متأخرة من الليل، واستقبله بشوق صديقه أبو عمار، وهو أحد معارفه المقيمين في وسطها، والذين يعملون في التجارة منذ فترة طويلة.. وبعد أيام من وصوله تعرف إلى بعض الأشخاص، وأغلبهم يعملون في التجارة وفي إدارة المطاعم، وبعد أن قضى أقل من شهر على زيارة الولاية قرر العودة إلى مدينته تاركاً وراءه أحلامه، وصور مدينة لم تعد يوماً مجرد حلم وردي، وها هو الحلم يستيقظ في ذاكرته، إلّا أنّه، للأسف، لم يكتمل بعد، ففضّل العودة إلى الديار، والى معاناته الأولى بالتردّد على باب سفارة الولايات المتحدة الأميركية بدمشق علّ وعسى أن يوفّق بالحصول على تأشيرة جديدة، لا سيما أنّه لم يخالف الفترة الممنوحة له من قبل موظف السفارة، على الرغم من أن موظف الجوازات في مطار دنْفر في ولاية كولورادو منحه فترة إقامة ستة أشهر يقضيها في ربوعها وأجوائها المدهشة، إلّا أنّه فضل الالتزام بالفترة التي قطعها على نفسه لموظف السفارة بدمشق على أن زيارته لن تزيد عن الشهر، وكان عبد الرحمن صادقاً مع نفسه، ومع القنصل على الالتزام والتقيّد بالفترة الزمنية بصورة خاصة في المقابلة التي أجراها مع عامل السفارة، وهذا ما جعله يطمئن على أن حصوله على تأشيرة سفر جديدة لن يكون مستبعداً بعد اليوم، وهي التي فتحت بدورها أمامه أبواب سفر متعدّدة إلى الولايات المتحدة، وإلى غيرها من البلدان، للمرة الثانية والثالثة.. والسابعة عشر.

دلالات