دكتورة سوريّة في ألمانيا

27 اغسطس 2016
الصورة
شذى بين زملائها من مختلف الأعراق (العربي الجديد)
+ الخط -
تمشي الدكتورة في الهندسة الإلكترونية، السورية شذى الخليل، خطوات في مدينتها الألمانية، فيستوقفها كثيرون ليحدثوها عن قبولهم في الجامعة. يعيدون الفضل في ذلك إليها وإلى نصائحها

وجه مستدير، وعينان حزينتان، ونظرات ذكية جدية، وابتسامة بريئة، هذا ما يظهر من الدكتورة شذى الخليل لحظة مصادفتها. أما لهجتها العربية فتوحي أنّها وصلت للتوّ من سورية، تحديداً من حمص. هي التي ما زالت تحتفظ بتلك اللكنة المميزة بعد سبع سنوات أمضتها في ألمانيا. لم تتبدل كلمات لسانها بالرغم من اتقانها اللغتين الإنكليزية والألمانية. كلماتها العربية ما زالت كما هي، فلا تزخرف حديثها بمصطلحات أجنبية أبداً.

موقفها من الحرب في سورية، دفعها إلى مساعدة مئات السوريين في الوصول إلى ألمانيا، ودول أخرى. أما شعورها بعذاب الضمير كونها لم تكن في سورية، فلم تعايش عن قرب ما حلّ بالسوريين من خراب ودمار، دفعها إلى تكريس جهودها ووقتها في البحث عن منح جامعية خاصة بمواطنيها، في ألمانيا والولايات المتحدة وتركيا. كما أنفقت الكثير من الوقت في تعريف السوريين الراغبين في الدراسة الجامعية في الخارج، على كيفية التواصل مع الجهات المعنية للحصول على قبول جامعي، والطريقة الأمثل لإرسال السيرة الذاتية ومعلومات أخرى تجعل ملف الطالب أكثر قوة وفرصته في القبول أفضل.

تقول شذى: "لم أتمكن من مساعدة أبناء بلدي في شيء، واكتشفت أنّهم لا يعلمون عن وجود العديد من المنح الجامعية المجانية. هم يعتقدون أنّهم في حاجة إلى الكثير من المال كي يصلوا إلى ألمانيا لإكمال دراستهم، لكنّ هذا المبلغ ليس ثروة خصوصاً بعد فتح العديد من الجامعات العالمية أبوابها أمام السوريين. ومن جهتي، أشعر أنّ العلم هو الوحيد القادر على إعادة بناء الإنسان والوطن. لذلك، سعيت بكلّ جهدي إلى تعريفهم بنوع المنح المتوفرة".

تتابع لـ"العربي الجديد": "أنا شخصياً وصلت إلى هنا من خلال منحة دراسية، وأنهيت دراستي وحصلت على شهادة الدكتوراه في الهندسة الإلكترونية من جامعة إلميناو العريقة، في تورنغن" وهي الولاية التي تعيش في عاصمتها إرفورت. أما لماذا اختارت شذى ألمانيا، فقد كان لديها حلم تسميه الحلم الألماني، وتقول: "حلمت منذ صغري بألمانيا، كان الحلم الألماني لديّ بديلاً عن الحلم الأميركي لدى آخرين، فلطالما شجعت المنتخب الألماني لكرة القدم، وعشقت عبارة صنع في ألمانيا. وكنت مغرمة منذ صغري بأدق تفاصيل الأجهزة الكهربائية. ولدراسة اختصاص كاختصاصي لا يوجد أفضل من ألمانيا".

أما عن الاندماج فتقول: "الآن أرغب في تناول الأطباق الألمانية، التي قد لا يعتبرها الكثيرون من الأطباق الشهية. اطلعت عن كثب على حياة الألمان وعاداتهم وتقاليدهم، وتعلمت الكثير عن العقلية الألمانية. الحياة في ألمانيا زادت من حسّي الإنساني، ومن مشاعري تجاه الآخر، وهذا أيضا سبب آخر دفعني إلى دعم أبناء بلدي". تردف: "لكنّ الحياة هنا صعبة. سبع سنوات أمضيتها هنا تشبه سنوات التجنيد العسكري. هذا لا يعني أنّي لم أكن سعيدة، لكنّه يعني أنّ الحياة والنجاح في ألمانيا تحتاج الى الكثير من الصبر، والتركيز على الهدف، وعدم إضاعة الوقت".

في هذا الإطار، تستغرب شذى الملاحظات والآراء العبثية وغير الدقيقة للبعض حول الحياة هنا. وهي آراء يدلي بها السوريون المهاجرون حديثاً إلى ألمانيا. من ذلك قول بعضهم، كما تشير "نحن، السوريين، أفضل منهم" أو "لو توفر لنا ما توفّر لهم، لكنّا أفضل منهم". تعلق: "هذه السيارة وذلك القطار وكلّ هذه التكنولوجيا، لم تسقط على الألمان من السماء، وهي نتاج عمل فكري دؤوب. لا يجوز الاستهزاء بها، لكنّ بعض اللاجئين يمضون وقتاً طويلاً في الشوارع هنا، يرون سكارى أو مشردين، أو أناساً يمشون حفاة، أو يتعرفون بنساء وحيدات مع مسؤوليات كبيرة، أو مسنين يعانون من الوحدة، فيشكلون آراء سريعة وخاطئة حول كلّ المظاهر ويتخذون موقفاً سلبياً منها، بدلاً من التدقيق في كلّ هذا وتشكيل رأي أعمق حول المجتمع في كلّ جوانبه. يركزون على السلبيات فقط متجاهلين الإيجابيات الكثيرة هنا. كلّ هذه النظرة الخاطئة تصعّب اندماجهم".

تنصح شذى الشباب السوري، الآتي حديثاً، بتعلم اللغة والبدء فوراً في الدراسة والعمل: "العلم وحده حبل النجاة السوري، وقيمة الإنسان هنا في العمل، وليس نوع العمل. الألمان لا يهتمون إن كنت عامل تنظيفات أو مهندساً، لكن يعنيهم إن كنت تعمل أم أنّك متبطل. القيمة الأساسية في ألمانيا هي العمل ثم العمل ثم العمل".