درس إنشائي عن الأشجار والعصافير

18 اغسطس 2019
الصورة
لشلع الأشجار التي غُرست في الأرض معنى رمزي بتأثير بالغ القسوة على عقول البشر الأسوياء، فبتر الاتصال بين الجذور والحفرة الترابية يشبه صورة معكوسة، هي انغراز الرمح في القلب، أو سقوط نصل السكين على العنق الطري.
الأصل في البناء التخيلي للفكرة يأتي من أن الزراعة (والتشجير من بينها) معلم أساسي من إجراءات صناعة الحياة، وحيث إن التوافق قائمٌ بين البشر في غالبيتهم على ارتباط معيشتهم ببقاء الكائنات التي خُلقت معهم على كوكب الأرض، فإن أي اعتداء على الأشجار سيكون حتماً تدميرا لحيوات البشر. ومن هذه المعادلة، باتت الصورة المجازية التي تشبّه البشر بالأشجار معتادةً في السياقات الأدبية، والفنية بشكل عام، حتى صار عنوان مسرحية أليخاندرو كاسونا "الأشجار تموت واقفة" ثيمة تتكرّر في حديثنا عن بقاء البشر صامدين في وجه الخطر الذي يهدّدهم. كما أن قطع الأشجار في رواية عبد الرحمن منيف "الأشجار واغتيال مرزوق" بات كنايةً عن سياق تخريب متعمد للمجتمعات العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال وقيام الدولة الوطنية.
في الآن نفسه، لا يمكن نسيان الجرعة المجازية الهائلة التي قدمها محمود درويش في قصيدة "تضيق بنا الأرض"، إذ مد بين الفلسطينيين وبين أشجار الزيتون ساقية ونهراً فصارا طرفين في أوانٍ مستطرقة، يتأثر أي منهما بالآخر، فقال: "هُنَا سَنَمْوتُ. هُنَا فِي المَمَرِّ الأخيرِ. هُنَا أَو هُنَا سَوْفَ يَغرِسُ زَيْتُونَهُ..دَمُنَا".
الأشجار هي بيت العصافير، يتعلم الطفل في الصف الأول الابتدائي هذه المعلومة، وسرعان ما يبني عليها لاحقاً الكثير من مدركاته، وإذا تم قطع بيت العصافير بات عليها أن ترتحل إلى مكانٍ آخر لتجد مساحةً جديدة تؤسس فيه حياتها. ولكن حين يطرد أحد ما العصافير من أعشاشها التي سكنتها تأخذ الحكاية التقليدية مسحةً تراجيدية، ويصبح تكرارها، على الرغم من كونه مملاً، حدثاً لا يمكن تجاهله، بدعوى كونه عادياً أو تقليدياً.
الفرق بين الإنشاء الذي تكتنفه قصة الأشجار وأيضاً قصص العصافير، والحدث الواقعي على 
الأرض، أننا، نحن السوريين، عرباً وكرداً، مثل الفلسطينيين، ومثل كل الشعوب التي تم تهجيرها، لم نكن مجرّد قصة في كتاب العلوم أو درس القراءة، بل كنا وما زلنا مأساة تتجذّر في الحياة، لا يجب على أحد أن يستخف بما جرى ويجري لنا. ولا يمكن القبول بهذا الاستخفاف في حال جرى وتم تداوله، كما أنه، وبالتأكيد لا يمكن بالأصل النظر إلينا حقل تجارب، أو مكسر عصا، كما حدث سابقاً في لبنان، ويحدث الآن في إسطنبول.
الدرس الإنشائي يُعلّم الأطفال كيف يتعاملون مع الأشجار والعصافير كليهما، فيتم تربية هؤلاء على أخلاقٍ تنتمي للفطرة الإنسانية، بينما يتعلم الكبار من السياسة والحروب أن يكونوا عادلين ومنصفين وأخلاقيين. وما جرى للسوريين في لبنان وفي إسطنبول يكشف كم اتسعت الهوة بين الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الأطفال والواقعية السياسية التي جعلت الكبار، سيما منهم القوى السياسية الرسمية وغير الرسمية، انتهازيين يريدون بناء انتصاراتهم على حساب الضحايا الأبرياء الذين فقدوا أي أفق لحياتهم في أوطانهم، فهربوا وجاءوا إلى أمكنةٍ ظنوا أنها تتسع لهم، بعد أن غُض الطرف عنهم، ولكنهم لم يدروا أن الآخر لا يرى فيهم سوى حقل تجارب سياسي، يمكنه الخوض فيه، حالما اضطرّه ظرفه لفعل ذلك.
كان يمكن للسياسيين في إسطنبول التي طالما شكلت حضناً دافئاً لأبناء الشرق والغرب ألا يؤسسوا واقع السوريين في المدينة على ذلك الشكل الذي باتوا الآن يريدون إصلاحه، فتكلفة ضروراتهم السياسية الآن تعادل طرد العصافير من أعشاشها، وكذلك يمكن أن يرى الأمر قلعاً للشجرة ذات الجذور اليانعة الغضّة من التربة التي بدأت تنمو فيها.
وبأي حال، ووفق أي شكل من المجازات، يمكن رؤية الأمر، يجب أن تتم معالجة القضية من 
منطلق إنساني، بدلاً من وضع الدريئة القانونية أمام الوسائل الإعلامية، وأمام الجمهور الذي استنفرَ جزءٌ كبير منه ضد اللاجئين، بعد أن حرّضت الإجراءات الطارئة عصبياته شبه الضامرة، فخرج يساند قرارات ولاية إسطنبول ووزارة الداخلية التركية، عبر إظهار النفور من السوريين، حتى أُعُلن، في استبيانٍ أخير، أن كارهي وجود السوريين في تركيا باتوا أغلبية في البلد الذي تعاطى معهم كضيوف، من دون أن يؤسس قانونياً لوجودهم بوصفهم لاجئين.
هل يحتاج حضُ الذين يتعاطون مع قضايا حساسة، كقضية لجوء ملايين السوريين، إلى دول الجوار وكذلك الدول الأوروبية وغيرها، ليكونوا إنسانيين، إلى أخلاق مشفوعة بقصص وأمثولات، من خلال استدعاء دروس إنشائية عن معنى الأشجار والعصافير؟ ربما ينفع هذا في حال بقينا نرى الأمور من زاوية فضل المُضيف على الضيف، ولكننا حين نذهب إلى أبعد من ذلك، ونرى الأمر من زاوية قواعد القانون الدولي التي شرّعت للاجئين حقهم في اللجوء، فإننا نصبح أشد غضباً وصرامة، فالسوريون ليسوا مجرد كلماتٍ في قصيدة أو قصة أو بيان سياسي، إنهم شعب يعيش مذبحة.. ومن لا يرى سيل الدم السوري، على الرغم من وضوحه العالي، لن ينفعه أي كلام.
تعليق: