دخول أميركي مفاجئ

28 يناير 2017
الصورة
+ الخط -
لا يبدو أن مسار التحالف الجديد في سورية، أي الثلاثي الروسي التركي الإيراني، سيهنأ كثيراً في رسم مستقبل البلاد، في ظل وجود بشار الأسد أو غيابه، بعدما ظهر دخول أميركي مفاجئ على الخط، قد يعيد خلط الأوراق التي عمدت موسكو إلى ترتيبها طوال السنوات الثلاث الماضية، في ظل الانكفاء الأميركي في عهد باراك أوباما عن القيام بأي دور على الساحة السورية، ما فتح المجال أمام الروس للتفرّد بالملف، وسحب أطراف إليها، كانوا في الأساس أقرب إلى المحور الأميركي. 
لم يجد التفرد الروسي في وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة تهديداً، في ظل التقارب بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومع تركيز الرئيس الأميركي الجديد على الملفات الداخلية، حتى بدا أن الولايات المتحدة مقدمةٌ على انكفاء إضافي على الساحات الدولية. وعليه، بدأت موسكو ترتيب "أوراق الحل" في سورية، بما يفيد حلفاءها وتوجهاتها، وأعدت لمؤتمر أستانة، ووزعت مسوّدة دستور سوري جديد، وحضّرت لمؤتمر سياسي جديد في جنيف، لترتيب إخراج دولي لـ "الحل السوري". إلا أن تطورات الأيام القليلة الماضية تؤشّر إلى أن هناك حاجة لإعادة النظر بكل هذه الترتيبات، بعدما أعلن دونالد ترامب نيته إقامة مناطق آمنة في سورية للاجئين الفارين من العنف. وهذا الكلام بمثابة "قلب للطاولة" التي اجتهد الروس كثيراً في إعدادها، متجاهلين أي دور أميركي محتمل، باستثناء دور المراقب المحايد، وهو ما مثله وجود السفير الأميركي في كازاخستان في مؤتمر أستانة.
ليست خطة ترامب عملياً جديدة، فهي كانت مدرجة ضمن توصيات المؤسسات الأميركية للرئيس السابق باراك أوباما، غير أن الأخير كان معارضاً بشدة لتنفيذها، وهو أمر يبدو مختلفاً مع الرئيس الجديد الذي يبدو ماضياً لإصدار قرارٍ في هذا المجال خلال تسعين يوماً، بحسب ما أعلن في مقابلته مع "إيه.بي.سي‭ ‬نيوز".
لا يأتي مخطط ترامب من منطلق حرص على السوريين، بقدر ما هو إبعاد اللاجئين عن الولايات المتحدة، وهو ما أقرّ به بعدما رأى أن أوروبا ارتكبت خطأ جسيما باستقبال ملايين اللاجئين من سورية، ومناطق اضطراب أخرى في الشرق الأوسط. وأضاف "لا أود أن يحدث ذلك هنا". لكن، بغض النظر عن خلفية القرار وتوجهاتها، إلا أنه يصب في خانة إعادة خلط الأوراق على الساحة السورية، وتشكيل تحالفاتٍ دولية جديدة في هذا السياق، ولا سيما بالنسبة لتركيا التي تلقفت الإعلان بترحيب كبير، وأتبعته بموقف مناقض لما كانت تعلن عنه في الأشهر الماضية، إذ شدّدت على ضرورة عدم وجود دور للأسد في مستقبل سورية.
الأمر نفسه بالنسبة إلى بريطانيا، والتي يبدو أن مواقفها السياسية الخارجية انتعشت مع التوجه الأميركي الجديد، وهو ما دفع وزير خارجيتها، بوريس جونسون، إلى إطلاق مجموعة من المواقف الخاصة بسورية واليمن وليبيا، ما يدفع إلى السؤال عن إمكان عودة الحلف الأميركي البريطاني الذي كان قائماً خلال عهدي جورج بوش الابن وتوني بلير.
خلط الأوراق هذا بالتأكيد لن يعجب موسكو، والتي يبدو أنها ستنتظر التوجهات الأميركية لإعادة تقييم سياستها، ولا سيما في سورية، بعدما لم تخف دهشتها من عودة فكرة "المناطق الآمنة" إلى التداول وفق الاستراتيجية الأميركية، وهو ما دفع الكرملين إلى التحذير من خطورة الصدام المحتمل، خصوصاً في حال تم الذهاب إلى فرض منطقة حظر جوي.
سيكون الانتظار سيد الموقف في الأيام والأشهر المقبلة، لتبيان المدى الذي سيمضي إليه ترامب في دخوله المفاجئ على الملفات الدولية عموماً، والملف السوري تحديداً، وقياس مدى جدية واشنطن الجديدة في تفعيل أدوارها الدولية، في إطار سياسة الحفاظ على المصالح المحلية التي ينتهجها ترامب.