خلافات داخل الإدارة الأميركية ساعدت بانهيار مفاوضات سدّ النهضة

04 مارس 2020
الصورة
تواصل إثيوبيا أعمال البناء في سدّ النهضة(إدواردو سوتيراس/فرانس برس)
+ الخط -
عانى مسار المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان حول قواعد ملء سدّ النهضة وتشغيله، بحضور ومراقبة وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي ثمّ وساطتهما، من توترات متواصلة منذ خريف العام الماضي، كان منبعها بشكل أساسي رغبة أديس أبابا في التلاعب والالتفاف وكسب الوقت لإنهاء الإنشاءات، وبدء الملء الأول قبل الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل. ووضعت إثيوبيا بذلك مصر أمام أمر واقع مؤلم، مرغمة إياها على قبول الشروط المجحفة، خصوصاً خفض حصتها السنوية من مياه النيل إلى ما دون 35 مليار متر مكعب سنوياً، أي أقلّ مما تطالب به القاهرة بخمسة مليارات كاملة، وأقل من الحصة المصرية الحالية بأكثر من 13 مليار متر مكعب، والمنصوص عليها في اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1959.

لكنّ ظلّ سؤال مهم يراود مراقبين عن سبب هذا التعسف الإثيوبي المتواصل، وفشل الضغوط على حكومة أبي أحمد إلى الآن، بل وانقلاب مسألة قرب إجراء الانتخابات التشريعية في إثيوبيا الصيف المقبل من سبب معقول لتصعيد الضغط الأميركي لحمل النظام الحاكم فيها على قبول الاتفاق مقابل دعمه، إلى ذريعة تستخدمها الحكومة الإثيوبية لإرجاء الاتفاق.

وكشفت معلومات حصل عليها "العربي الجديد" من مصادر دبلوماسية مصرية، وأخرى إثيوبية مطلعة، أنّ عاملاً مهماً أدى دوراً في إفشال المفاوضات، وتصعيب مهمة الوسيط الأميركي، ويتمثل في نشوب خلافات بين وزارتي الخارجية والخزانة الأميركيتين، بشأن خطة التعامل مع الملف، منذ إسناد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المهمة إلى وزير الخزانة ستيفن منوتشين، واستبعاد وزير الخارجية مايك بومبيو. إذ لم تف الخارجية بوعودها بتقديم بعض التسهيلات للمفاوضين من خلال تشديد الضغوط على إثيوبيا على المستوى السياسي، وذلك بسبب خلاف جذري في تصور الدور الأميركي الذي يمكن تأديته لحلحلة القضية.

وبحسب المصادر المصرية والإثيوبية، هناك شخصيات بارزة من أصول يهودية وأفريقية في الخارجية الأميركية، تعتبر أنّ القاهرة "تبالغ في تصور حجمها واستحقاق نصيب أكبر من مياه النيل"، زاعمين أنّ إثيوبيا ودول المنبع هي الأحق حالياً بالدعم الأميركي، بسبب فشل تلك الدول على مدار عقود في استغلال مياه النيل للتنمية، خصوصاً في توليد الكهرباء وتنظيم الزراعة وخلق مزارع سمكية وغيرها من الأنشطة، التي ترغب في استغلالها شركات أميركية وأوروبية وآسيوية مختلفة.

وبناءً على هذه الرؤية، اعتنقت الخارجية الأميركية فكرة أنّ واشنطن لا يجب أن تكون وسيطاً بموجب المادة العاشرة من اتفاق المبادئ الموقع في مارس/ آذار 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان، وأنه يجب اقتصار دورها على "المراقبة والتسهيل". بل إنّ تقارير قانونية صدرت عن الخارجية الأميركية وتمّ توزيعها على البيت الأبيض ووزارة الخزانة، تؤكد عدم مشروعية أي اتفاق يعقد بوساطة الوزارة الأخيرة، وبصياغتها، لأسباب عدة من وجهة نظرها، والمتناقضة بالطبع مع رؤية وزارة الخزانة، وقبلها الرؤية المصرية.

أول تلك الأسباب أنّ الولايات المتحدة لم تكن طرفاً في اتفاق المبادئ، وبالتالي لا توجد صلة بين ذلك الاتفاق والمفاوضات الحالية، تسمح لها باقتراح صيغة قد يعتبرها طرف أو أكثر خروجاً على اتفاق المبادئ.

والسبب الثاني أنّ الأطراف الثلاثة لم تتوافق فيما بينها بعبارات صريحة على استدعائها كوسيط، لأنّ الوساطة تقتضي الرضا أولاً بالإلزام والاتفاق المسبق على الالتزام، وهذا لم يحدث في أي مرحلة من التفاوض. حتى إنّ الجولة قبل الماضية التي صدر عنها بيان مشترك بتفويض الخزانة والبنك الدولي بإعداد صيغة للاتفاق، لم يكن مقصوداً منه اعتمادها بذاتها، بل إعادة عرضها في جولة أخرى والنقاش حولها، الأمر الذي يطابق الادعاءات الإثيوبية.

السبب الثالث أنّ الخزانة الأميركية ليس من ضمن اختصاصاتها الدستورية، وفقاً لقانون إنشائها، تمثيل الولايات المتحدة في اتفاقيات وساطة ذات طابع دولي، وإنما البيت الأبيض أو الخارجية الأميركية.

أمّا السبب الرابع، وهو الذي يتسق تماماً مع الرؤية الإثيوبية الحالية التي تحاول ترويجها بين العواصم الغربية، هي أنّ واشنطن لا يجوز لها التدخل لرعاية اتفاق ثلاثي يعتبر مخالفاً لاتفاق دولي أوسع، والمقصود بذلك الاتفاق الإطاري الموقت في عنتيبي عام 2010، والذي لا تعترف به كل من مصر والسودان. ويتجه هذا الرأي داخل الخارجية الأميركية إلى ضرورة علاج مشاكل ومفارقات الحصص التاريخية في نهر النيل أولاً، قبل الاتفاق الثلاثي على قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة.

ووفقاً للمصادر، فإنّ ترامب لا يزال مصرّاً على تجاهل الضغوط التي تحاول تلك الدوائر ممارستها لترك الملف، مدعيةً أنّ ذلك لأسباب مهنية، إذ يتمسك الرئيس الأميركي بأن تكون له "بصمة" يمكنه المتاجرة بها محلياً ودولياً في ما تبقّى له من وقت في ولايته الأولى، بل ويحلم بأن تؤهله للمنافسة بقوة على جائزة نوبل للسلام العام المقبل. لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التحكم بشكل كامل لناحية وقف جميع العراقيل التي توضع في طريق وزارة الخزانة لتنفيذ خطته، والتي منها على سبيل المثال النشاط الكبير للجالية الإثيوبية في الولايات المتحدة في التواصل مع نواب بالكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والدعوة إلى تظاهرات ضدّ المفاوضات تحت شعار "سدّ النهضة إثيوبي فقط"، ونشر مقالات في صحف أميركية مختلفة تتبنى وجهة النظر الإثيوبية.

وبشكل عام، فإنّ الأسباب الأربعة التي تروج لها دوائر في الخارجية الأميركية، تكاد تكون معظم مكونات الخطاب القانوني الإثيوبي في المرحلة الأخيرة من المفاوضات. إذ أكّدت المصادر المصرية والإثيوبية أنّ أديس أبابا أرسلت تعميماً لجميع الأطراف قبل موعد الجولة الأخيرة في واشنطن، والتي قاطعتها، نهاية الأسبوع الماضي، شددت فيه على عدم قبولها للصياغة الأميركية باعتبارها صياغة نهائية، فضلاً عن إشارتها إلى كون أي اتفاق ثلاثي حول مياه النيل الأزرق، من دون عرضه على باقي دول حوض النيل، أمر يفتقر إلى العدالة، ويسمح باحتكار دولتي المصب للمياه. ويضاف ذلك إلى جانب نقطة أساسية أخرى سبق أن كشفت عنها مصادر مصرية لـ"العربي الجديد"، وهي استمرار تلاعب إثيوبيا بالألفاظ، حول الطبيعة الإلزامية لأي اتفاق، منذ أرسلت الخارجية الإثيوبية مطلع الشهر الماضي خطاباً، يبدو روتينياً، اعتاد كل طرف إرساله لباقي الأطراف المعنية منذ انطلاق المفاوضات، لمراجعة نقاط الاتفاق والاختلاف وأهم مخرجات أحدث جولة تفاوض في واشنطن آنذاك، لكن أديس أبابا ضمنته عبارة غامضة عبر قولها إنّ "المفاوضات المقبلة ستكون مخصصة فقط لمناقشة ملء وتشغيل السدّ، لوضع قواعد استرشادية".

ويعتبر اقتصار الاتفاق على كونه استرشادياً، إعداماً للمسار التفاوضي بشكل كامل، خصوصاً أنه وفق المعلن من جميع الأطراف، فإنه كان هناك اتفاق مبدئي على ثلاثة أمور رئيسية وهي: جدول يتضمن خطة ملء سد النهضة على مراحل، والآلية التي تتضمن الإجراءات ذات الصلة بالتعامل مع حالات الجفاف والجفاف الممتد والسنوات الشحيحة أثناء الملء، والآلية التي تتضمن الإجراءات الخاصة بالتعامل مع حالات الجفاف والجفاف الممتد والسنوات الشحيحة أثناء التشغيل.

وأضافت المصادر المصرية والإثيوبية المطلعة أنّ وزارة الخزانة الأميركية لا تزال تحاول إنقاذ الموقف من خلال إعادة التواصل مع إثيوبيا لعقد اجتماعات منفردة في أديس أبابا أو واشنطن خلال شهر مارس الحالي، لحلحلة الأزمة التي اشتعلت بمقاطعة إثيوبيا للاجتماع الأخير، وصدور بيان الخزانة الرافض للملء قبل الاتفاق، ثمّ ردّ أديس أبابا بتأكيدها حقها في الملء بالتوازي مع انتهاء الإنشاءات، ثمّ صدور بيانات مصرية عدة تؤكّد رفض التوجه الإثيوبي والتلويح باتخاذ إجراءات "بكل الوسائل المتاحة" لحماية حقّ مصر في مياه النيل.

ودخلت مصر وإثيوبيا في معركة كلامية في الأيام الأخيرة، على خلفية التهديد الإثيوبي بالملء الأول بالتوازي مع إنهاء الإنشاءات، فاتهمت القاهرة أديس أبابا بأنها تغيّبت عمداً عن اجتماع واشنطن الأخير، لإعاقة مسار المفاوضات، وبأنها تنشر المغالطات وتشوّه الحقائق وتتنصّل من التزاماتها بموجب قواعد القانون الدولي وبالأخص أحكام اتفاق إعلان المبادئ. وأعلنت القاهرة في الوقت نفسه تأييدها لما وصفته بـ"الاتفاق العادل والمتوازن الذي بلورته الولايات المتحدة والبنك الدولي" واعتبرته يمثّل حلاً وسطاً عادلاً ومتوازناً تمّ استخلاصه من واقع جولات المفاوضات السابقة.

وفي وقت سابق، أعلن وزير الري الإثيوبي، سيليشي بيكيلي، أنّ بلاده ستبدأ حجز المياه في بحيرة التخزين الرئيسية لسدّ النهضة في يوليو/ تموز المقبل. كما نشر "العربي الجديد"، في مطلع العام الحالي، تصريحات لمصدر إثيوبي تابع لـ"جبهة تحرير تجراي"، أحد مكونات التحالف الحاكم، ذكر فيها أنّ مسؤولين حكوميين بوزارة الطاقة ومشروع سدّ النهضة أبلغوا قيادات الجبهة بأنّ توليد الطاقة الكهربائية من السدّ سيبدأ بصورة جزئية في يوليو أو أغسطس/آب من العام 2021 المقبل.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقبيل انطلاق الاجتماعات الفنية الحاسمة برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، صرّح نائب مدير مشروع السدّ، بيلاتشو كاسا، لوكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، بأنّ عملية الإنشاء تتقدّم من دون أي تباطؤ "كما كانت من قبل"، وأنه تمّ بالفعل الانتهاء من لوح الوجه الخاص بسدّ السرج، وهو سدّ الخرسانة للوجه الصخري، الموجود على يسار السدّ الرئيسي. وللحفاظ على سلامة تدفق المياه، تمّ إنجاز العمل في جانب المجرى ليصبح السدّ قادراً على توفير الطاقة المطلوبة حتى 100 عام، إذ سيضم السدّ ثلاثة مجارٍ للمياه بما في ذلك مجرى مائي في وسط السدّ الرئيسي، وممر للفتحات (قناطر) يمكن أن يسمح بأكثر من 14 مليون متر مكعب من المياه، وممر للطوارئ في الجانب الأيسر من سدّ السرج.

المساهمون