خصخصة الحرب الأفغانية... محاولات لا تتوقف من مؤسس "بلاك ووتر"

26 نوفمبر 2018
الصورة
سعي حثيث من إريك برنس لدعم خصخصة الحرب الأفغانية(Getty)
يوثق القائد الجهادي في الحزب الإسلامي الأفغاني حاجي محبوب الله علاقة شركة "بلاك ووتر" الأميركية الأمنية الخاصة بالقضية الأفغانية منذ ما قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وتحديدا منذ محاولتها اغتيال أسامة بن لادن، الذي جاء من السودان إلى أفغانستان منتصف العام 1996 وتمركز في جبال توره بوره قرب مدينة جلال آباد كما يقول لـ"العربي الجديد"، موضحا أن الاستخبارات الأميركية ناقشت مع القائد الجهادي في الجمعية الإسلامية أحمد شاه مسعود قضية بن لادن الذي قاتل ضده مع طالبان، متهما مسعود بأنه وافق بالتواطؤ مع بعض قادة الجهاد في الشرق، على التعاون مع الاستخبارات الأميركية للقضاء على بن لادن وقوته قبل أن يتعاظم خطر الرجل، ووفق ذلك الاتفاق جاءت أول طليعة من بلاك ووتر إلى إقليم بنجشير الاستراتيجي (115 كلم شمال شرق كابول) قبيل أحداث أيلول 2001، ومن هناك تحرك عناصر الشركة ليصلوا عبر أودية إقليم لغمان إلى منطقة توره بوره حيث كان يعيش بن لادن، لكن حركة طالبان التي كانت تسيطر على البلاد وقتها وزعامات قبلية موالية لتنظيم القاعدة وبعض قادة الجهاد أفشلوا المخطط بعد تسربه، ما دعا إلى إلغائه قبل أن يبدأ.

ويؤكد القيادي في مؤسسة أحمد شاه مسعود، التي تأسست بعد مقتله في سبتمبر/أيلول 2001 محمد حنيف مبارز، أن بن لادن "كان قد خطط لقتل أميرنا"، قائلا: "مسعود لم يسع أبدا أو يساهم في أي خطة لقتل بن لادن، هذه تهم في حق شخص ضحى بنفسه في سبيل الدفاع عن الوطن".


عقبات أمام إريك برنس

أسس بلاك ووتر عام 1997 ضابط البحرية السابق إريك دين برنس شقيق وزيرة التعليم الأميركية بيتسي ديفوس، وأعيدت تسميتها إكس إي للخدمات عام 2009، وتعرف حاليا باسم أكاديمي منذ عام 2011 ويسعى برنس، دون يأس إلى إقناع القيادة الأفغانية بخطته لخصخصة الحرب في أفغانستان والتي تقوم على تولي الشركة تدريب وتوجيه القوات المسلحة الأفغانية بدلا من الجيش الأميركي، لكن الرئيس الأفغاني أشرف غني يرفض ذلك بحسب تأكيد الناطق السابق باسم شورى الأمن قادر شاه، مشيرا إلى أن البرلمان ومجلس الشيوخ رفضا الفكرة أيضا وأعلنا تأييدهما لموقف الحكومة كما يقول.

وبدأت الرئاسة الأفغانية تعلن رفضها علنا لفكرة خصخصة الحرب بعد أن قام برنس بأربع زيارات إلى كابول خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضي بحسب حاجي أمين مسؤول إدارة الموارد البشرية في وزارة الثقافة، المقرب من الرئيس، مشيرا إلى أن الرئيس أكد أكثر من مرة معارضته لهذه الفكرة، إذ قال في إحدى زياراته التفقدية لمدينة بلخ الواقعة شمال أفغانستان على الحدود مع طاجكستان في الخامس من أكتوبر الماضي "إننا لا نحتاج إلى أي شركة أجنبية لمواجهة المسلحين، لأن الجيش الأفغاني قادر على مواجهتهم". 
ويؤكد مصدر في شورى الأمن لـ"العربي الجديد" أن شورى الأمن والرئاسة الأفغانية خلقت العقبات أمام برنس وخطته عند زياراته لكابول، مستبعدا تنفيذ الفكرة، وأشرف غني رئيس للبلاد حسب قوله.

وقرر شورى الأمن الذي ناقش القضية في عدة جلسات، عدم منح برنس التأشيرة، لكنه حصل عليها، بدعم من معسكر الرئيس السابق حامد كرزاي، وتحديدا حاكم إقليم قندوز سابقا محمد عمر صافي، الذي ساعده في ذلك مستخدما نفوذه، دون علم شورى الأمن بحسب تأكيد حاجي أمين.
وعلى الرغم من إصدار الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي القرار الرئاسي رقم 62 في مارس/آذار 2010 الذي يمنع الشركات الأمنية الأجنبية البالغ عددها 88 شركة ومنها شركة بلاك ووتر من العمل في أفغانستان، وترحيلها جميعا بعد أن أثير الحديث عن جرائم الشركة في البرلمان ومجلس الشيوخ ووسائل الإعلام والزعامة القبلية في نفس العام، إلا أن 18 شركة من التي تم ايقافها ما زالت تعمل في أفغانستان، ومن بينها شركة بلاك ووتر بحسب تأكيد المحلل الأمني محمد إسماعيل، مشيرا إلى أن القوات الأجنبية، خاصة الأميركية راضية عن وجودها، وتستخدمها، تحت غطاء أمن السفارات والقنصليات والمراكز الأمنية الخاصة بالأجانب في أفغانستان.

وأسست وزارة الداخلية الأفغانية، إدارة الأمن العام منذ عام 2010، لتحل محل الشركات الأجنبية، بحسب الناطق باسم وزارة الداخلية نصرت رحيمي، والذي قال أن "الإدارة تواصل أعمالها منذ ذلك الحين، ولا يمكن الاعتماد على الشركات الأجنبية إلى الأبد وعلينا أن نرسخ أنظمتنا الأمنية".

ويؤكد رحيمي أن لدى وزارته برنامج وخطة لمدة أربع سنوات يتم فيها زيادة عدد القوات الخاصة إلى الضعفين، والاعتماد على الشرطة التي ستتمركز في المناطق الاستراتيجية المهمة والمدن للحفاظ على الأمن، مع تشكيل مليشيات محلية من القبائل تحت إدارة الجيش الوطني، للحفاظ على الأمن في المناطق التي يطهرها الجيش من سيطرة المسلحين، وهو ما يؤكده الناطق باسم شورى الأمن سابقا قادر شاه، مشيرا إلى أن القوات المسلحة الأفغانية كفيلة بإحلال الأمن في البلاد وليس هناك أي حاجة لشركة أجنبية.


التوجه إلى المعارضة الأفغانية

بعد يأس برنس، من الرئيس الأفغاني والحكومة، توجه إلى معارضيها وهم عطاء محمد نور، الأمين العام للجمعية الإسلامية وحاكم إقليم بلخ السابق، الذي يعد من أهم المعارضين للرئيس الأفغاني، والذي أقاله الرئيس من منصبه لكنه رفض ذلك وبقي أشهر عديدة متحديا الحكومة، ولم يتنحى من منصبه إلا بعد تدخل قائد القوات الأمريكية السابق الجنرال نيكولسن وكذلك حاجي محقق زعيم حزب الوحدة، كبرى الأحزاب الشيعية في أفغانستان، غير أن محمد رضا قربانيار سكرتير في مكتب محقق، ينفي أي لقاء له مع رئيس بلاك ووتر، مشيرا إلى أن فكرة بلاك ووتر لا يتوافق معها أي أفغاني، ووفق ما تناولته صحيفة "أفغانستان سبوت نك" الأفغانية الصادرة من موسكو، في مقال بعنوان "بلاك ووتر تسعى للسيطرة على معادن أفغانستان" فإن برنس التقى أيضا بزعيم الجمعية الإسلامية ووزير الخارجية الحالي صلاح الدين رباني، وبعض القيادات في الجمعية كالقائد حاجي محمد ألماس وغيرهم، وهو ما يؤكده الإعلامي والمحلل السياسي قريب الرحمن شهاب مشيرا إلى أن سعي برنس لا جدوى من ورائه، لأن جميع من التقاهم مقربون من إيران والقوات الأميركية لا تعتمد عليهم، وبالتالي لن يصل مؤسس بلاك ووتر إلى مبتغاه من هذا الطريق.

وتحدث برنس مع هؤلاء القادة حول نقطتين، الأولى أن يساعدهم على إنجاح مرشح هؤلاء في الوصول إلى سدة الحكم بدلا من الرئيس الأفغاني الحالي أشرف غني الذي يتوقع أن يكون أحد المرشحين، والثانية حول معادن أفغانستان وأن البلاد بأمس الحاجة إلى ضخ قيمتها في الميزانية والشركة ستعمل على إخراج تلك المعادن، وستجلب شركات دولية كي تعمل في هذا المجال وفق ما كشفته صحيفة خبريال الصادرة باللغة البشتوية، التي أكدت أن بعض القادة وافقوا على الفكرة.


مخالفة القانون

تنص المادة 10 من قانون الأسلحة والأدوات النارية على أن أي شركة أمن أجنبية إذا أرادت أن تعمل في أفغانستان عليها أن تحصل على الرخصة من وزارة الداخلية وتوافق على جميع المقررات ذات الصلة، كما تنص الاتفاقية الأمنية بين أفغانستان والولايات المتحدة الأميركية (BSA) الموقعة بين الجانبين في ديسمبر/كانون الأول 2013 على حصانة قضائية للقوات الأميركية، لكن لا تعطي أية حصانة لأي شركة تأتي بها القوات الأميركية.

ويوضح البند السادس من المادة 13 من الاتفاقية الأمنية بين أفغانستان والولايات المتحدة الأميركية أن عناصر الشركات الخاصة التي قد تأتي بها القوات الأميركية لا يحظون بأي نوع من الحصانة القضائية، بل يحاكمون وفق القانون الأفغاني، وهنا يؤكد الخبير القانوني الدكتور أحمد خالد حاتم أن القرار الرئاسي لحظر عمل الشركات الأمنية الأجنبية واضح في منعهم من العمل، لأنهم ليسوا جنود تلك الدولة التي تتبعها السفارة أو القنصلية وبالتالي من المفترض أن ينطبق عليهم قانون البلاد كما يقول، مضيفا أن القوات الأميركية تتعامل مع هؤلاء المتعاقدين الأمنيين وكأنهم يتمتعون بالحصانة، وهو ما يجعلهم مستمرين في مهامهم.

مؤسسات الحكم ترفض بلاك ووتر

يرفض غفور جاويد الناطق باسم وزارة الدفاع إحلال بلاك ووتر بدلا من القوات الأميركية قائلا: "الأمر بعيد المنال ولا يتماشى مع طبيعة مجريات الأحداث في أفغانستان ومع طبيعة هذا الشعب"، بينما تقرأ البرلمانية المستقلة معصومه محمدي، دفع أميركا بشركة بلاك ووتر إلى الحرب في أفغانستان بأنه محاولة للفرار من الحرب وإيجاد مخرج سيجعلها في مأزق أكبر.

وتحاول شركة بلاك ووتر منذ عام، أن تحل محل القوات الأميركية في افغانستان، في حين كان الزعم السائد أن الرئيس الأميركي ترامب يسعى لإيجاد مخرج لقوات بلاده من أفغانستان، رغم أنه أبدى ميله في البداية إلى فكرة بلاك ووتر، ولكن مستشاريه ومن يعرف الأوضاع في أفغانستان رفض الفكرة تماما، خاصة بعد تغير قائد القوات الأميركية الجنرال جون نيكلسون بالجنرال سكوت ميلر، المتخصص بالعمليات الخاصة وتعيين زلماي خليل زاد مبعوثا خاصا للمصالحة الأفغانية، إلا أن فكرة بلاك ووتر قد أرجئت في الوقت الراهن على الأقل وفق ما تؤكده مصادر التحقيق، ومن بينهم الزعيم القبلي والنائب المستقل عبيد الله باركزاي والمدافع عن سياسات الرئيس الأفغاني والذي قال :"نعرف جيدا ما فعلته الشركة في العراق وقبلها في أفغانستان، لذا نحن لن نرضى بأي دور لها، هؤلاء في الحقيقة مرتزقة وقتلة بالإيجار، إن عناصر الشركة خارجون على القانون وبالتالي جلبهم إلى أفغانستان سيولد كارثة جديدة وسيدعم ما تؤكده طالبان"، وهو ما يؤكده المحلل الأمني عتيق الله أمر خيل الجنرال المتقاعد في الجيش، والذي قال "هؤلاء ارتكبوا جرائم وحشية منها القتل والخطف، وكانوا يملكون سجونا سرية في البلاد".

وأدارت بلاك ووتر سجونا سرية للقوات الأميركية في أفغانستان بحسب تأكيد الضباط المتقاعد في وزارة الدفاع العميد سراج الدين عادل، الذي عمل مع لجنة أمنية شكلها الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي في العام 2014 لتقصي الحقائق حول السجون السرية لشركة بلاك ووتر، مكونة من ضباط الجيش والمسؤولين في وزارة الدفاع وهم الجنرال غلام فاروق وعبد الكريم قانت وعبد الشكور دادرس وأنور شاه، قائلا إن: "اللجنة أثبتت وجود ستة سجون سرية، ثلاثة منها في قندهار وثلاثة أخرى في هلمند، ولا يستبعد أنه كان للشركة سجون سرية في كابول سابقا، غير أنه لا يتوقع أن تكون تلك السجون موجودة حاليا".