خذلان روسي لإيران

09 يوليو 2019
الصورة
بينما تخوض إيران مواجهةً إقليميةً مفتوحة مع الولايات المتحدة، وتصعّد بحذر شديد من تحدّياتها جبروت الدولة العظمى الوحيدة، وتحشد كل ما في وسعها من وسائل قوة ذاتية، وعوامل إسناد دولية، لدرء مخاطر حرب مدمرة، يباغتها موقف روسي صادم لها، ومُهدّد لوجودها في سورية، في وقتٍ أشد ما تكون فيه الجمهورية الإسلامية حاجةً لمؤازرة دولة كبيرة، كثيراً ما وقفت إلى جانب طهران، ودعمت مزاعمها، وخاضت وإياها في شرق المتوسط حرباً لم تنتف أسبابها أصلاً، ولم تضع أوزارها بعد.
في أواخر يونيو/ حزيران الماضي، وقع اجتماع فريد من نوعه، ولا سابق له مطلقاً، بين مستشاري الأمن القومي في كل من أميركا وروسيا وإسرائيل، استضافه بنيامين نتنياهو، تحت عنوان "إخراج إيران من سورية". ولم يمضِ سوى وقت قليل، حتى كانت الدولة العبرية تشن، في مطلع شهر يوليو/ تموز الحالي، عدواناً طاول 13 موقعاً إيرانياً، ووصفت "يديعوت أحرونوت" تلك الغارات بأنها هجماتٌ لا تشبه سابقاتها، سواء لجهة الشدة والاتساع والتوقيت، أو لجهة فداحة الخسائر في المواقع المستهدفة، استُخدمت فيها الطائرات والبوارج وصواريخ كروز، فيما كتبت "هآرتس" أن الغارات تتويج لتفاهمات "تقسيم العمل" المتوافق عليها في ذلك الاجتماع الذي تفاخر به نتنياهو كثيراً.
لقد أبدت إيران ما يشبه التفهم، ولو على مضض، حيال تسامح روسيا المتواصل مع الضربات الإسرائيلية التي ازدادت وتيرتها منذ دخول موسكو المباشر على خط الأزمة السورية، وتقبلت طهران ذلك ضريبة مستحقة على ورطتها إدخال الدب إلى الكرْم السوري، بعد عجز الحرس الثوري والمليشيات المذهبية في وقف تقدّم الثورة. غير أنه، مع تفاقم الخسائر الإيرانية، واستمرار إغلاق منظومة أس 400، ناهيك عن اشتداد مظاهر تنسيق روسي إسرائيلي يشي بوجود تواطؤ ما، راح المتشدّدون يتحدّثون من على بعض المنابر عن خيانة موسكو لهم.
وأحسب أن قادة الحرس القابضين على جراحهم المسكوبية الغائرة لم يأخذوا على محمل الجد تصريحات مستشار الأمن القومي الروسي، وهو يقف إلى جانب نظيريه، الأميركي والإسرائيلي، في القدس، مدافعاً بحرارة عن طهران، رافضاً شيطنتها، وواصفاً تلك الغارات على تموضعاتها بأنها "هجمات غير مرحّب بها"، غير أن إكراهات الموقف الذي يمر به البلد الخاضع لأقسى عقوبات أميركية من نوعها، أملت على المستهدفين قياماً قعوداً، مواصلة العضّ على النواجذ، وتجرّع كأس الخذلان بصمت، لا سيما وأن مهمة الدفاع عن نظام الأسد لا تزال مصلحة ثنائية مشتركة، ولم تكتمل بعد.
ولعل الأنباء المتواترة أخيرا عن استنفار عسكري متبادل، بلغ تخوم المواجهة، بين الوحدات الروسية والمليشيات الإيرانية في دير الزور، ناهيك عن امتناع إيران عن المشاركة في الحملة العسكرية المتعثرة على إدلب، والحديث الرائج عن انسحاب حزب الله من سورية، تشير في مجموعها إلى أن التعاون بين شريكين لا بديل لأي منهما عن الآخر، بدأ يُخلي مكانه تدريجياً لصالح صراعٍ خفي، أخذ بالظهور بين المتنافسين اللدودين على النفوذ والسيطرة، المتزاحمين على الإمساك بمفاتيح المؤسسات الأمنية والسياسية السورية.
لن يُفصح الإيرانيون، على الأرجح، وفي هذه المرحلة العصيبة تحديداً، عن شعورهم المرير بالخذلان، إزاء التحول في الموقف الروسي هذا، ولن يُبادر المراهنون على إسناد قوة كبرى لهم في المواجهة المصيرية غير المستبعدة مع الولايات المتحدة، إلى إظهار الخلافات علناً، مهما استفاض الكرملين في الكلام عن عمق العلاقة التي تحتلها إسرائيل في الاستراتيجية المشتركة مع أميركا، فليس لطهران شريك بديل في سورية، وليس لديها فائض علاقات دولية، كي تفرّط بالمجاملات الدبلوماسية الروسية لها في هذه الآونة الحرجة.
اليوم، قد لا يتساءل الإيرانيون عن أسباب تمتّع إسرائيل بحرية العمل في الأجواء السورية، بما فيها المنطقة المحمية بمنظومة الدفاع الروسية، ولا يشغلون بالهم كثيراً بمساعي الكرملين الحثيثة لإبعادهم عن الحدود "الإسرائيلية"، وربما يتغافلون عن تشديد الرئيس بوتين قبضته على المقاليد السورية، إلا أن هؤلاء المسكونين بارتيابٍ عميق إزاء نوايا موسكو التاريخية، وحيال حساباتها الراهنة، يتوجّسون بحق عما إذا كانت روسيا متورّطة في الهجمات الإسرائيلية ضدهم.
تعليق: