خارطة طريق السراج: تحفظات ليبية مبكرة تهدد بعرقلتها

16 يوليو 2017
الصورة
يروّج السراج لنفسه على أنه طرف محايد(محمد تركية/فرانس برس)
أعلن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في طرابلس، فائز السراج، ليل السبت – الأحد، عن مبادرة جديدة تضمنت خارطة طريق من 9 بنود لإخراج ليبيا من أزمتها، فضلاً عن استنادها إلى عدد من المبادئ تطغى عليها لغة التصالح. وتتضمن مبادرة السراج بشكل خاص إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في شهر مارس/ آذار المقبل، ووقفاً فورياً لإطلاق النار في أنحاء البلاد كافة "إلا ما يخص مكافحة الإرهاب"، لكن التجاوب مع مبادرة السراج من عدمه وحده سيكون الكفيل بتحديد إمكانية نجاحها أو سقوطها على غرار مبادرات عدة طرحت على مدى السنوات الماضية من دون أن تتحول إلى منطلق فعلي للحل.
ولم تتأخر بعض ردود الفعل الأولية في الظهور لتعكس وجود تحفظات على مبادرة السراج قد تؤدي إلى إسقاطها، كان أبرزها من رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، الذي نقلت عنه قناة النبأ الليبية، وبحسب ما أوردت وكالة الأناضول، قوله "لن نسمح بإجراء انتخابات أو مقترحات قبل صدور دستور ينظم شكل الدولة". كما يمكن تسجيل العديد من الملاحظات على ما تضمنته الخارطة من بنود، ما يوحي بأن الحل الليبي ليس قريباً.



خارطة من 9 بنود
وخلال كلمته التي أذاعها التلفزيون الرسمي الليبي، قدّم السراج نفسه والمجلس الرئاسي الذي يقوده على أنه ليس طرفاً في الصراع ولم يأتِ لدعم طرف ضد آخر، واصفاً الخارطة بأنها "مقترح لاستكمال الاتفاق السياسي والمسار التوافقي وليست بديلاً عنه".
وعن شكل خارطة الطريق التي تضمنتها مبادرته، قال السراج إنها تتكون أولاً من "الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مشتركة في شهر مارس 2018 تفرز رئيساً للدولة وبرلماناً جديداً، تستمر ولايتهما ثلاث سنوات كحد أقصى، أو حتى الانتهاء من إعداد الدستور والاستفتاء عليه. ويتم انتخاب رئيس الدولة بشكل مباشر من الشعب".
وبحسب السراج، فإن مرحلة الانتخابات المقبلة يسبقها تشكيل لجان مشتركة من مجلسي النواب والدولة للشروع في توحيد مؤسسات الدولة المنقسمة جراء الصراع الحالي لضمان توفير الخدمات للمواطنين، لا سيما البنك المركزي المنوط به توفير السيولة النقدية ومعالجة مشكلة تهاوي قيمة الدينار الليبي.
ثاني بنود الخارطة تطرق إلى موعد انتهاء العمل بالاتفاق السياسي ومهام حكومة الوفاق، إذ نص على أن "يستمر العمل بالاتفاق السياسي وحكومة الوفاق الوطني إلى أن تتم تسمية رئيس الحكومة الجديدة من قبل رئيس الدولة المنتخب، واعتماد حكومته من قبل البرلمان".
أما البند الثالث فيتضمن توضيحاً لآليات إجراء الانتخابات والإشراف عليها، إذ أشار إلى أنه "تقوم المفوضية العليا للانتخابات وبالتنسيق مع الأمم المتحدة، وبمساعدة جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، بالإعداد والإشراف ومراقبة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية".
في موازاة ذلك، خصص السراج البند الرابع من مبادرته لمقترح قيام مجلس الدولة ومجلس النواب، وبإشراف وتسيير من الأمم المتحدة، "بتشكيل لجان للحوار لتناقش في ما بينها، ومع مؤسسات المجتمع المدني ومن خلال حوار مجتمعي، إعداد مشروع قانون الانتخابات ومقترح تعديل الدستور، لتحديد صلاحيات رئيس الدولة وملامح المرحلة الجديدة"، فيما خصص البند السادس لتحديد واجبات حكومة الوفاق الوطني والمؤسسات القائمة في أنحاء البلاد لجهة "توفير الإمكانيات وتهيئة الأجواء المناسبة لنجاح هذا الاستحقاق".
وإن كان أكثر من نصف بنود خارطة الطريق مخصصاً للانتخابات ومتطلباتها، فإن البند السادس ركّز على الشق العسكري، إذ نص على أن "يتم الإعلان عن وقف إطلاق النار وجميع أعمال القتال في كافة أنحاء البلاد، إلا ما يخص مكافحة الإرهاب المنصوص عليها في الاتفاق السياسي الليبي والمواثيق الدولية". ولم يغفل السراج في خارطته التحديات المرتبطة بالانقسام الذي يضرب مؤسسات الدولة الليبية، وهو ما يفسر ما تضمنه البند السابع من خارطته لجهة قيام "مجلس النواب ومجلس الدولة بتشكيل لجان مشتركة للبدء في دمج مؤسسات الدولة السيادية المنقسمة".
وفيما اعتبر السراج، في البند الثامن من مبادرته، أنه يتعين على حكومة الوفاق الوطني أن تقوم "بضمان توفير الخدمات والاحتياجات اللازمة للمواطنين في كل المناطق، وتلتزم جميع المؤسسات القائمة في البلاد بالتعاون وضمان فصل الصراع السياسي عن توفير هذه الخدمات، مع التزام مصرف ليبيا المركزي بتنفيذ سياسات نقدية بشكلٍ عاجل، لضمان علاج مشكلة توفير السيولة وضبط سعر صرف الدينار الليبي"، فإنه خصص البند التاسع والأخير من خارطة الطريق لـ"إنشاء المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، على أن يكون من مائة عضو، يتم اقتراحهم وفقاً لمعايير وضوابط تحددها اللجنة التحضيرية لمشروع المصالحة الوطنية". وبحسب المبادرة، فإنه "يكون أعضاء هذا المجلس من أعيان وحكماء قبائل مدن ليبيا، ومؤسسات المجتمع المدني، والمرأة والشباب، يراعى في اختيارهم جميع الأطياف السياسية والفكرية من دون إقصاء أو تهميش". ومن مهام هذا المجلس "الإعداد لمؤتمر ليبيا للمصالحة الوطنية، ودراسة آليات تطبيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر والعفو العام، وإنشاء لجان للمصالحة بين المدن، وخلق الأجواء المناسبة لحوار مجتمعي لإنجاح الانتخابات التشريعية والرئاسية والاستحقاق الدستوري".



ملاحظات عدة
السراج الذي شدد على أن مبادرته هي "مقترح لاستكمال الاتفاق السياسي والمسار التوافقي وليست بديلاً عنه"، إلا أن المبادرة خلت من تفسير لبعض بنودها، أبرزها أسباب تحديد شهر مارس من العام المقبل كموعد للانتخابات على الرغم من أن الاتفاق السياسي ينتهي فعلياً وبحسب نصوصه في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، ما يجعل البلاد أمام خطر الدخول في حالة فراغ سياسي كامل لأشهر عدة حتى الانتهاء من الانتخابات والإعلان عن نتائجها، وإن كان السراج قد حاول الإجابة عن هذا التساؤل في البند الثاني من مبادرته بنصه على أن "يستمر العمل بالاتفاق السياسي وحكومة الوفاق الوطني إلى أن تتم تسمية رئيس الحكومة الجديدة من قبل رئيس الدولة المنتخب، واعتماد حكومته من قبل البرلمان".
كما خلت مبادرة السراج من توضيح المشكلة العسكرية المتصاعدة في ليبيا، لا سيما طموح اللواء المتقاعد خليفة حفتر المتنامي والذي لم يعد يخفي طموحه في الوصول إلى العاصمة بعد سيطرته على الجنوب والشرق الليبيين، ما يبرز سؤالاً ملحاً حول إمكانية قبول حفتر بإدماج قواته ضمن قوات خصومه في الغرب والذي بات يدق أبواب مدنهم في الآونة الأخيرة.
كما أنه لا يبدو أن هناك سلطة داخلية أو خارجية يمكنها منح ضمانات للأطراف المتصارعة في البلاد للوصول إلى نتائج المبادرة التي يبدو أن بنودها لا تختلف بشكل كبير عن الاتفاق السياسي، والذي يواجه هو الآخر عراقيل واقع السلاح ونفوذ الجماعات المسلحة، ما حال دون تطبيقه منذ أكثر من عامين.
لكن الملمح البارز في المبادرة هو صدورها عن المجلس الرئاسي، الذي وإن شدد السراج على أن المجلس ليس طرفاً في الصراع، إلا أن مجريات الواقع خلال أكثر من سنة من عمر المجلس الرئاسي اضطرته للانحياز في كثير من الأحيان إلى طرف مناوئ لحفتر في غرب وجنوب البلاد.
كما لم يخف معسكر حفتر تصنيفه للمجلس الرئاسي كواجهة سياسية جديدة لخصومه، لا سيما أن مصراته، المدينة الأقوى عسكرياً وسياسياً، منحازة له بقوة وتمتلك تمثيلاً بارزاً في المجلس.
ويبقى الواقع السياسي والأمني في البلاد المتشظي مقابل إصرار العسكر على حسم الأمر بالسلاح والاستقطابات المتزايدة حائلاً دون الوصول إلى أبرز بنود المبادرة المتمثلة في انتخابات رئاسية وبرلمانية نزيهة يمكن أن تنهي حالة الانقسام الحالية، وبالتالي يمكن اعتبار مبادرة السراج إعادة صياغة للاتفاق السياسي ومحاولة لكسب موقف سياسي أمام الرأي العام، لا سيما مؤيدي السراج الدوليين.

مبادئ تصالحية
وفي السياق، كان لافتاً حرص السراج على تقديم خطاب تصالحي عبر الإشارة إلى أن من بين المبادئ التسعة التي اعتمد عليها في صياغة خارطة الطريق "التأكيد على حق المواطنة، وأن جميع الليبيين والليبيات متساوون في الحقوق والواجبات، مهما كانت انتماءاتهم السياسية أو توجهاتهم الفكرية"، فضلاً عن مبدأ "عدم الإقصاء أو التهميش لأي مواطن في الداخل أو الخارج، سواء معارضي الاتفاق أو مؤيديه، والعمل فوراً على عودة النازحين والمهجرين، ولم الشمل تحت راية الوفاق الوطني الحقيقي".
كما شدد على "مراعاة مبدأ الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة، وأن تكون المؤسسة العسكرية تحت السلطة المدنية التنفيذية".
وتحدث عن "وضع استراتيجية شاملة للدفاع والأمن القومي وتوحيد المؤسسة العسكرية، مع دعم وتفعيل الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية التابعة لهما، ووضع برنامج وطني لجمع السلاح، وتسريح أو دمج أفراد التشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة وفي إطار زمني محدد".
ويضاف إلى ذلك "حماية الحقوق والحريات العامة وانتهاج الإصلاح الإداري في إطار الشفافية ومكافحة الفساد، وتفعيل نظام اللامركزية لضمان حقوق كل مناطق ليبيا، وتفعيل آليات العدالة الانتقالية وجبر الضرر والعفو العام من أجل تحقيق مصالحة وطنية شاملة". كما تطرق إلى "احترام جميع المكونات الثقافية والموروث الاجتماعي، وإنهاء المحاصصة والجهوية، وضرورة "المحافظة على الموارد الوطنية ومؤسسات الدولة الاقتصادية والمالية، مع ضمان التوزيع العادل للثروات لكل الليبيين".