حملة ملاحقات مصرية متجدّدة: ترهيب يسبق تمرير "العمل الأهلي"

20 مايو 2019
الصورة
اعتقل هيثم محمدين على ذمة قضية ملفقة جديدة (فيسبوك)
+ الخط -
تربط مصادر أمنية مصرية بين الحملة التي تشنّها الأجهزة على النشطاء السياسيين وفتح قضايا جديدة لهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، مثل التي تمّ حبس القيادي في حركة "الاشتراكيين الثوريين" هيثم محمدين بموجبها أخيراً، وبين استعداد النظام الحاكم لتمرير سريع، ومن المرغوب أن يكون هادئاً، لقانون العمل الأهلي أو تنظيم عمل الجمعيات الأهلية، الذي أعلنت وزيرة التضامن، غادة والي، أخيراً، الانتهاء من صياغته وإرساله قريباً إلى مجلس النواب لسرعة إقراره. وتقول المصادر إنّ فتح قضايا جديدة في هذا التوقيت لنشطاء يساريين وقريبين من دوائر العمل الحقوقي، من دون ظهور أي إدانات حقيقية، واقتصار الاتهامات الموجهة لهيثم محمدين على الانتماء إلى تنظيمات غير معروفة، ثمّ افتعال مشكلة للإيقاع بالناشط السياسي، مؤسس حركة "6 إبريل"، أحمد ماهر، الذي يقضي حالياً فترة المراقبة الشرطية بعد انقضاء فترة حبسه في قضية التظاهر أمام محكمة عابدين، للقبض عليه مرة أخرى، كلها تأتي في إطار "التخويف المجاني للنشطاء السياسيين والحقوقيين الذين لهم صلات أوسع من محمدين وماهر في الداخل والخارج".

وكان قد تمّ القبض على أحمد ماهر، يوم الجمعة، إثر بلاغ كيدي حرره ضده أحد الأشخاص بعد أن كان قد اقترب منه وتعمّد الاحتكاك بسيارته، إيذاناً بالتشاجر معه، وذلك بالتزامن مع توجهه إلى قسم شرطة القاهرة الجديدة لقضاء فترة المراقبة، قبل أن يتم إخلاء سبيله أول من أمس السبت. كذلك، اعتقل المحامي هيثم محمدين على ذمة قضية جديدة يسود إجماع بين المعارضين على أنها ملفقة، تحت رقم 741 حصر أمن الدولة لسنة 2019، بدعوى اتهامه بـ"مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها"، وقررت نيابة أمن الدولة حبسه 15 يوماً احتياطياً على ذمة التحقيقات.

وترى المصادر أنّ الرسالة الأهم التي يتم توجيهها للنشطاء من خلال هذه الإجراءات هي وقف أي اتصالات مع دوائر وشخصيات سياسية أوروبية داخل مصر وخارجها، بشأن مواجهة القانون المقرّر إصداره، والمتوقّع أن يتضمّن العديد من القيود وإعادة هيكلة الأجهزة واللجان العليا التي كان منصوصاً عليها في القانون السابق الصادر في 2017، للتحكم في الجمعيات الأهلية المحلية والأجنبية.

وفي هذا السياق، علم "العربي الجديد" من مصادر دبلوماسية محلية أنّ الحكومة المصرية رفضت إطلاع بعض السفارات الأجنبية المعنية بمتابعة الملف الحقوقي وتمويل الأنشطة الأهلية، على النسخة الحالية من مشروع القانون، وذلك بعدما كانت حريصة على استطلاع رأي الجهات المانحة في القانون السابق لدى بدء إجراءات تعديله نهاية العام الماضي. وكانت لجان خاصة وقتها من جهازي الاستخبارات العامة والأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) قد اجتمعت مع ممثلي منظمات المجتمع المدني الأجنبية في مصر، والجهات المانحة التابعة لحكومات الولايات المتحدة وألمانيا والدول الاسكندنافية بغية التوصل إلى "اتفاقات ثنائية" مع كل جهة بشأن مقترحات التعديل من جانب، وبشأن خطة عملها في مصر للعامين المقبلين من جانب آخر.

وكان هذا التحرّك يستهدف إرضاء الحكومات الأجنبية وضمان استمرار ضخها أموال المساعدات للجمعيات المصرية، لأن المؤسسات التابعة للحكومة لا تستطيع تحمّل الأعباء وتوجيه الأموال ومباشرة الأنشطة في جميع المحافظات، وبالتالي فإنّ حاجتها لجمعيات مصرية تكون وعاءً لمساعداتها الاجتماعية يحتّم عليها ضرورة الاستعانة بتلك الجمعيات، ويحتم على الحكومة المصرية اتخاذ التدابير اللازمة لاستمرار تدفق الأموال، والذي انخفض بصورة ملحوظة منذ صدور القانون المستهدف تعديله حالياً في مايو/ أيار 2017.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد خاطبت نظيراتها في الدول المذكورة أعلاه، بعد صدور القانون، لتعطيل عمل المنظمات والمؤسسات المانحة لمنظمات المجتمع المدني غير الحكومية في مصر. وكان ذلك بحجة وجوب توفيق أوضاع هذه المنظمات أولاً، خصوصاً إذا كانت تعمل في المجال الحقوقي، وسواء كانت تمرّ عبر وزارة التضامن الاجتماعي ووزارات أخرى، ومؤسسات تعليمية مصرية أو أجنبية عاملة داخل مصر، أو كانت تمرّ عبر قنوات غير شرعية وغير مراقبة إدارياً من قبل الحكومة، وذلك بهدف تجفيف منابع تمويل المنظمات الأهلية القائمة بصورة غير شرعية، وكذلك وقف الأنشطة السياسية والتثقيفية والاجتماعية غير المرغوب فيها من قبل النظام.

وتوجّه معظم المساعدات الاجتماعية إلى مشاريع إنشاء مدارس ووحدات صحية ومستشفيات، وتحديداً في قرى الصعيد الأكثر فقراً، التي تعترف الحكومة بأنّ المجتمع الأهلي الممول بمساعدات أجنبية أو تبرعات محلية يتولّى أكثر من 70 في المائة من الأعمال الإنشائية واللوجستية فيه. وبحسب المصادر، فإنّ نظام السيسي تنبّه إلى حقيقة أنّه لا يستطيع التضحية بتلك المساعدات بسبب نظرة قاصرة أو ضيقة للمنظمات الحقوقية المعارضة للنظام، ولا يمكنه المضي قدماً في هذه الإجراءات المتعسّفة مع جميع الجمعيات والمؤسسات، نتيجة تخوفات من فئة واحدة.

وفي ظلّ التعتيم المفروض على مشروع القانون الحالي؛ تشير المصادر الدبلوماسية، التي تحدثت إلى "العربي الجديد"، إلى أنّ مطالبات الجهات الأجنبية للجان الاستخبارات والأمن الوطني تضمّنت إزالة العقبات القانونية أمام وصول التمويل إلى الجمعيات التي تختارها، وعدم إجبارها على توجيه المساعدات لجمعيات بعينها، وذلك كرد فعل على محاولات مستمرة مورست من قبل النظام في العام الماضي، لتوجيه التمويل إلى جمعيات موالية له أنشئت حديثاً، في محاولة لملء الفراغ الذي تركته الجمعيات المنبثقة من جماعة "الإخوان المسلمين" والجمعية الشرعية والتيار السلفي، بعد التحفّظ على المئات منها أو حلّها بتهمة "تمويل الإخوان وغسيل الأموال وتوجيهها لأنشطة إرهابية".

كذلك طالبت الجهات الأجنبية، شأنها شأن الجمعيات المصرية، بإلغاء الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، الذي كان يخلق دوراً رسمياً للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ويقلل من سلطة وزارة التضامن على عمل المنظمات، ويمنح تلك الأجهزة سلطة منع وصول التمويل للجمعيات، وإقرار أو رفض التغييرات الهيكلية واللوائح الداخلية للمؤسسات، فضلاً عن قدرتها على مطالبة المحاكم بحل الجمعيات.

وطالبت الجهات الأجنبية أيضاً بخلو القانون ليس فقط من عقوبات الحبس في بعض المخالفات، بل كذلك من عقوبات حلّ الجمعيات، مع الاكتفاء بالعقوبات الإدارية، مثل حلّ مجلس الإدارة، وعرض أمر حلّ الجمعية وتصفية أموالها على القضاء، فضلاً عن تعديل إجراءات تأسيس الجمعيات لتصبح بالإخطار دون أحقية وزارة التضامن في رفضه نتيجة اعتراضات موضوعية، وأن تحال أي اعتراضات من الوزارة بطلب رفض مسبب إلى القضاء للفصل فيه.