حكومة لبنان تهرّب الضرائب على خط مشروع موازنة 2020

17 أكتوبر 2019
الصورة
دردشة الحريري وبعض الوزراء في جلسة الخميس (دالاتي نهرا)
أما وقد بلغ مشروع الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2020 مرحلة إقراره النهائية في مجلس الوزراء اللبناني قبل إحالته إلى مجلس النواب لمراجعته والمصادقة عليه، تكشَّف إلى حد كبير ما خطّطت له الحكومة وغالبية الأطراف السياسية المشاركة فيها من "تدابير إصلاحية": التفاف ضريبي على اللبنانيين عبر تكتيكين: الأول فرض ضرائب جديدة عبر مشاريع قوانين مستقلة من خارج إطار قانون الموازنة العامة، والثاني زيادة ضريبة القيمة المضافة TVA على مرحلتين، بدلًا من زيادتها دُفعة واحدة.

تفتّقت عبقرية السلطة التنفيذية، التي تستكمل مناقشة مشروع الموازنة عند الثانية من بعد ظهر غد الجمعة، عن سلة ضريبية قالت إنها غير مشمولة في مشروع موازنة 2020، مع استكمال مجلس الوزراء، في جلسة عقدها بعد ظهر الخميس في السراي الحكومي برئاسة الرئيس سعد الحريري، درس المشروع، وسُجلت قبلها سلسلة مواقف، كان في صدارتها تصريح وزير الإعلام جمال الجرّاح الذي شرح أن زيادة الضريبة على القيمة المضافة ستُطبق على مرحلتين، الأولى بنسبة 2% عام 2021 و2% إضافية عام 2022، لتصبح نسبة الضريبة الإجمالية المطبقة 15%.

ومع تراجع إيرادات قطاع الاتصالات 33% بين عام 2017 و2018، ذكر الوزير الجرّاح أن فرض 20 سنتًا تعادل 6 دولارات لكل مشترك شهريًا على مكالمات تطبيق "واتساب" وغيره من التطبيقات الذكية، أُقرّت في جلسة الأربعاء، على أن يبدأ تطبيقها مطلع العام 2020، على أن يشمل الرسم أول مكالمة يُجريها المشترك عبر الإنترنت يومياً، لتكون الاتصالات التي تليها غير خاضعة للرسم، بما يؤمّن للخزينة العامة 216 مليون دولار سنويًا.
ويأتي ذلك فيما تبرر وزارة الاتصالات تراجع العائدات بالإقبال المتزايد على استخدام "واتساب"، ولا سيما خدمة "واتساب كول"، وبقية التطبيقات المجانية، مثل "سكايب" و"فايبر" و"فيسبوك كول" و"فايس تايم" العاملة بنظام "التخابر عبر شبكة الإنترنت" VoIP.

وحول الزيادة على المحروقات، أوضح الجرّاح أن الاقتراح الخاضع للدرس يشمل زيادة 3% على أسعارها، لكن على أن تقوم الدولة باستيراد المحروقات، ما يعني عدم إبقاء استيراد المشتقات النفطية حكرًا على المستوردين الحاليين.

وبعد جلسة مجلس الوزراء، مساء الخميس، ردّ الجرّاح على سؤال حول فرض رسوم على "الواتساب"، قائلًا إن "المكالمات الصوتية عبر التطبيقات ستطبق عليها ضريبة الـ20 سنتًا، وهذا الأمر سيؤمن مبلغًا يقدر بنحو 200 مليون دولار".

وأعلن الوزير أن "مجلس الوزراء أقر الاستراتيجية الحدودية التي تقدَّم بها وزير الدفاع الياس بو صعب، والتي تهدف إلى ضبط الحدود مع الدول المجاورة". كما قال إن "أهم البنود التي أقرت تفويض وزير الاتصالات شركة سيتا القبرصية لمد كابل بحري جديد يؤمن الإنترنت إلى لبنان".

إجماع... لا إجماع

وبدا أن ثمة غموضًا يلف إقرار ضريبة الواتساب في مجلس الوزراء؛ فقد قال وزير الاتصالات ​محمد شقير​، إنّ الزيادة على الواتساب "ليست ضريبة ولن نزيد أي شيء من دون إعطاء مقابل للمواطن، وهذا ما سأشرحه في مؤتمر صحافي الأسبوع المقبل، وسيتمّ وضع 20 سنتًا في اليوم لخدمة OTT (أو Over the top)، والرسم لن يكون شهريًا".

شقير الذي أوضح أن "القرار فُسّر خطأً، باعتبار أن الـ20 سنتًا ليست للواتساب فقط، بل لكل تطبيقات الاتصالات"، شدّد على أن "هذا القرار هو قرار ​الحكومة​ بمختلف كتلها السياسيّة، وليس قرار وزير الاتصالات فقط".

لكن في موقف يتناقض مع تصريحات شقير، وزير الشباب والرياضة محمد فنيش، أوضح أنه ضد أي ضريبة على الناس، معتبرًا أن زيادة الضريبة على القيمة المضافة يجب أن تُفرض على "الكماليّات" حصرًا. وبشأن ما يُحكى عن فرض 20 سنتًا على مكالمات "الواتساب" وغيره من التطبيقات، أكد فنيش أنه تحفظ في جلسة الأربعاء على هذه الضريبة، مشددًا على أنه ضد فرض ضرائب على عامة الناس.

كلام فنيش أكده أيضًا نائب كتلته (حزب الله) إبراهيم الموسوي، الذي غرّد قائلًا: "إخواننا وأخواتنا وأهلنا جميعًا، ولكل اللبنانيين، أرجو عدم التعجل بالحكم على الأمور، ولعلمكم أن وزراءنا لم يوافقوا على فرض رسم 20 سنتًا على مكالمات الواتساب، بل إن الحزب (حزب الله) أبلغ رفضه الأمر بشكل رسمي فاقتضى التوضيح".



وفضّل وزير المالية علي حسن خليل، عدم الرد على غالبية الأسئلة التي طرحها عليه الإعلاميون قبل جلسة الحكومة، مكتفيًا بالقول ألا ضرائب داخل الموازنة بل جميعها من خارجها، كما أن الرسم على التبغ والتنباك ليس من ضمنها أيضًا. في حين قال وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب إن ورشة الإصلاح بدأت، وأن هذه هي المرة الأولى التي تُتخذ فيها قرارات إصلاحية.

أما الوزير وائل أبو فاعور، فقال إن جلسة الخميس لن تكون الأخيرة لبت مشروع موازنة 2020، مؤكدًا الحاجة إلى جلسة إضافية لإقرارها.
وفي السياق، غرّدت النائبة بولا يعقوبيان ردًا على خبر فرض ضريبة 6 دولارات على كل مشترك "واتساب" وقالت: "لن يكون هنالك ليرة على الواتساب... تراجعوا سريعًا قبل البهدلة، جيبوا عملة من وقف صفقاتكم اللي بتسمّوها مشاريع. ‏أموال سد بشري يجب وضعها بالكهرباء اللي بتكلف مليارين عجز كل سنة إلخ... اسمعوا منيح الشعب لن يدفع ليرة واحدة على متنفسه الذي يشتمكم عبره".



بدوره، رأى النائب جان طالوزيان "وجوب بت الموازنة في موعدها الدستوري كي لا تتحوّل إلى مجرّد دفتر حسابات كالموازنة السابقة، على أن تُقر الإصلاحات بالتوازي معها"، مؤكدًا أن "الموازنة من دون إصلاحات لا تنفع وستقود لبنان من تضخم إلى آخر ومن تراجع إلى تراجع".

طعن بالقرار...

وشكّل "تويتر" منصة عبّر من خلالها النائب جميل السيد عن موقفه تجاه ضريبة "واتساب" قائلاً: "ضريبة على الواتساب بمرسوم مهرَّب في الحكومة خلافاً للدستور! الواتساب تطبيق إلكتروني وليس خدمة تقدمها الدولة كي تفرض ضريبة أو رسوماً عليها! ومن يستخدم الواتساب يدفع للدولة استهلاكاً من ال WIFI وال Data، وبالتالي ممنوع أن يدفع مرتين! سنتقدم بمراجعة إبطال المرسوم أمام مجلس شورى الدولة".



تظاهرات مندّدة بالسياسة الضريبية

وقد تظاهر مئات المواطنين الغاضبين، مساء الخميس، بعد إقرار الحكومة ضرائب جديدة، آخرها رسمٌ "لواتساب"، وتوجهٌ لفرض ضرائب أخرى بهدف توفير إيرادات جديدة لخزينة الدولة في ظل أزمة اقتصادية خانقة.

يأتي ذلك بعدما تصاعدت نقمة الشارع في لبنان، خلال الأسابيع الأخيرة، إزاء احتمال تدهور قيمة العملة المحلية التي انخفضت قيمتها في السوق السوداء مقابل الدولار، وفرض المصارف عمولة على السحب بالدولار الذي شح في السوق.

في المحصّلة، يتبيّن جليًا أنّ الإصلاح، في نظر الحكومة، أصبح ضرائب وأعباء إضافية على اللبنانيين، فيما مكافحة الفساد لا تزال قضية مرفوعة ضد مجهول رغم انتشار الفساد على نطاق واسع.