حصانة اقتصادية لترامب... ارتفاع شعبيته رغم الصراعات التجارية

18 يوليو 2019
الصورة
ترامب يستعد لانتخابات 2020 (Getty)
أيّد مجلس النواب الأميركي، الخميس، تنحية قرار بمساءلة الرئيس دونالد ترامب بغرض عزله، وهو ما يحبط الإجراء فعلياً في الفترة الحالية، ويمدد الحروب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي ضد العديد من الدول، أضخمها الصين.

ويمكن مقاربة قرار الكونغرس مع موقف أطلقه ترامب في عام 2018، في مقابلة مع وكالة رويترز، حين قال: "من الصعب عزل شخص لم يرتكب أي خطأ، وأوجد أعظم اقتصاد في تاريخ بلدنا. أعتقد أن الناس سوف يثورون إذا حدث ذلك". هكذا، يركّز الرئيس المثير للجدل دفاعاته في صراعاته الداخلية على نقطتين: الشعبية لدى الناس، والإنجازات الاقتصادية... في الواقع، هناك تداخل ما بين النقطتين. 

فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة واشنطن بوست ووكالة أنباء إيه بي سي ونشرتها في مطلع الشهر الحالي، أن شعبية الرئيس الأميركي إلى ارتفاع، إلا أن 6 من كل 10 مواطنين اعتبروا أنه "يتصرف بطريقة لا تناسب الرؤساء" منذ انتخابه رئيساً.

وازدادت شعبية ترامب في الولايات المتحدة بين الناخبين المسجلين إلى 47 في المائة، ارتفاعاً من 42 في المائة في إبريل/نيسان، و50 في المائة أعربوا عن رفضهم له، في مقابل 54 في المائة في إبريل. وفي حين بيّن الاستطلاع أن 44 في المائة من المواطنين في سن التصويت اليوم يوافقون على ترامب ارتفاعاً من 39 في المائة في إبريل، قال 53 في المائة إنهم لا يوافقون عليه.

ويمثل الاقتصاد نقطة الضوء الوحيدة في الاستطلاع، حيث يتمتع ترامب بأرقام إيجابية، حيث قال 51 في المائة إنهم يوافقون على الطريقة التي تعامل بها مع القضايا، في مقابل 42 في المائة لا يوافقون على ذلك، بانخفاض طفيف عن 46 في المائة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. إذ أنه في القضايا الأخرى التي تم قياسها، حصل ترامب على تصنيفات سلبية أو أكثرية غير مؤيدة، خاصة فيما يتعلق بالضرائب، تغير المناخ، الهجرة، الرعاية الصحية، الإجهاض، العنف المسلح والقضايا التي تهم النساء.

إذن، صعود تأييد الرئيس الأميركي مردّه نجاحات الاقتصاد الأميركي الأخيرة، والتي ينسبها ترامب كلها للسياسات التي اتبعها بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة. 

إلا أن العديد من المحللين أكدوا عدم رضاهم عن بعض السياسات الحالية، خاصةً ما يتعلق منها بفرض تعريفات تقترن بتوقعات بخسارة ترامب حروبه التجارية مع الدول الأخرى.

وعلى الرغم من تأكيد ترامب المستمر على أهمية فرض التعريفات الجمركية لصالح الأميركيين، لم يجد المواطن العادي عنواناً أوضح ولا أقرب إليه مما أعلنته دراسة للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والتي أكدت على زيادة في العبء الذي تتحمله الأسرة الأميركية بحوالي 831 دولاراً سنوياً، نتيجة للتعريفات التي فرضتها الإدارة الأميركية على الصين، وذلك من خلال ارتفاع الأسعار وخفض الكفاءة الاقتصادية.

إلا أن الأمر لا يتوقف على الصين وحدها، فخلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، فرض ترامب تعريفات جمركية جديدة على واردات بلاده من عشرات الدول، كان أهمها واردات الصلب والألومنيوم، كما مئات السلع من الصين، أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، والتي يدخل من ضمنها ما قيمته عشرات المليارات من الدولارات من السلع الوسيطة التي تستخدمها الشركات العاملة في الولايات المتحدة في تصنيع منتجاتها، الأمر الذي تسبب في ارتفاع تكلفة المنتجات الاستهلاكية التي يحصل عليها المواطن العادي.

ورغم تأكيد ترامب وإدارته مرة أخرى على عدم قدرة البلدان الأخرى على الرد بفرض تعريفات انتقامية، قامت العديد من الدول الكبرى بفرض تعريفات على المنتجات الأميركية، وكان أبرزها ما فرضته كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي واليابان والهند، بالإضافة إلى الصين بطبيعة الحال.

ومع زيادة التكلفة على المصنّعين الأميركيين، وانخفاض طلبات الاستيراد من المزارعين الأميركيين، نتيجة للتعريفات المفروضة من الجانبين، انخفض الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة في أحدث قراءاته إلى أدنى مستوى له في 32 شهراً، بينما اضطر ترامب إلى تعويض المزارعين الأميركيين المتضررين بمبلغ ضخم، 16 مليار دولار، إضافةً إلى ما تم تعويضهم به قبل نهاية العام الماضي، والذي قدّر بحوالي 12 مليار دولار أخرى، من أموال دافعي الضرائب.

وذلك، بعد انخفاض مبيعات فول الصويا الأميركي إلى الصين في عام 2018 إلى أدنى مستوى لها في 16 عاماً، ولم تفلح مشتريات الدول الأخرى في تعويض نقص الطلب الصيني، ليصل إجمالي صادرات فول الصويا الأميركي لمختلف دول العالم إلى أقل مستوى له في أكثر من عقدٍ من الزمان.

وبينما كانت خطط ترامب تهدف إلى إيلام الدول الأخرى، عن طريق استخدام سلاح التعريفات، من أجل دفعها إلى تغيير سياساتها في أكثر من ناحية، كان واضحاً أن تنفيذ ذلك مع العملاق الصيني لن يكون سهلاً، وأنهم لن يأتوا إليه مذعنين كما توقّع. ومن ناحية أخرى، ما زالت اتفاقية نافتا الجديدة تتعثر في طريقها، وتتزايد الضغوط المحلية على أعضاء الكونغرس من أجل عدم التصويت على تمريرها. وعلى صعيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، لا يبدو أن الطرفين في طريقهما للوصول إلى اتفاق.

وفي مقالٍ حديث له في مجلة نيويورك تايمز، اعتبر بول كروغمان، الاقتصادي المعروف، وأستاذ الاقتصاد في قسم الدراسات العليا بجامعة سيتي الأميركية، أن الصين، لاعتبارات ثقافية، تعد من أصعب الدول التي يمكن إجبارها على التوقيع على اتفاقية تمثل استسلاماً مهيناً للولايات المتحدة.

وأشار كروغمان أيضاً إلى أن تعقّد سلاسل التوريد للمنتجات الصينية ساهم في اختلاف نتائج فرض التعريفات عما توقّعه ترامب، موضحاً "عندما تفرض تعريفات على منتجات يتم تجميعها في الصين، بينما تأتي مكوناتها من كوريا واليابان، على سبيل المثال، لن يتم التجميع تلقائياً في الولايات المتحدة، لكنه يتجه إلى دولة آسيوية أخرى، مثل فيتنام".

ومع استعداد ترامب لانتخابات الرئاسة في العام القادم 2020، يُعد تضرر المزارعين الأميركيين، وتحديداً منتجي فول الصويا، أحد أبرز التحديات التي يواجهها الرئيس، حيث تمثل تلك الفئة واحدة من أهم داعميه بين الناخبين.

وبعد أن تصور ترامب أنه "من السهل الانتصار في الحروب التجارية"، أصبح وارداً أن تكون تلك الحروب هي العامل الرئيسي وراء خروجه من البيت الأبيض، مع الاعتراف بخسائر الاقتصاد الصيني أيضاً، إلا أن الناخب الأميركي يبدو وكأنه يقول لترامب "ولن ينفعكم اليوم أنكم في الخسائر مشتركون".

ويرى كروغمان أن "ترامب سيحاول إظهار بعض التنازلات التي سيضطر إلى تقديمها للدول الأخرى على أنها انتصار كبير، لكن النتيجة الفعلية ستكون أن كل شخص سيصبح أكثر فقراً بفعل تلك التعريفات".

وفي وقتٍ تتقارب فيه نسب المؤيدين لانتخاب ترامب من المؤيدين لرئيس من الحزب الديمقراطي، ما زالت النسبة الأكبر من الناخبين تفضّل عدم وجود ترامب في البيت الأبيض لأربع سنوات أخرى.