حاشية على عام حصار قطر

05 يونيو 2018
الصورة
+ الخط -
يكتمل اليوم عام على حصار دولة قطر الذي جاء عقب القمة النحس التي عقدها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض.
وعلى عكس ما تفاءل به المواطن العربي أن الرياض تسعى إلى تفاهمات دولية، من شأنها أن تعزّز موقفها في قيادة المنطقة العربية التي تعيش حالة فراغٍ عقب الانقسامات العربية العربية، وخروج مصر من دائرة صنع القرار، فإن العربية السعودية، بعد تلك القمة، تبيّن أنها دفعت المال لشراء ذمة أكبر دولة في العالم، من أجل تصفية حساباتها مع شقيقتها الصغرى، التي لم تغفر لها الرياض دعمها الربيع العربي، ووقوفها مع تطلعات الجماهير العربية نحو الحرية والديمقراطية ودولة المواطنة، فهل ذنب قطر أنها تعاطفت مع شباب الميادين؟ والسؤال المركزي هنا: لماذا تعتبر الرياض دعم الثورات العربية جريمةً، تستحق القصاص من فاعلها، وما حقيقة هذا الكره والرعب السعودي من الربيع العربي، على الرغم من أن شرارته لم تنطلق من الممالك العربية.
لعل الجواب البديهي للتساؤل أعلاه هو أن العربية السعودية كانت تخشى من أن يأتي دور على النظم الملكية، لكن المقاربة التي انتهجتها في مواجهة الربيع العربي جاءت بنتائج سلبية ومدمرة على المنطقة كلها، من مصر وسورية إلى فلسطين وليبيا، وحجمت السياسة السعودية وعزلتها، فضلا عن أنها أنهت منظومة مجلس التعاون الخليجي، وهو آخر كيان عربي متماسك. وفي قراءة نتائج هذه المقاربة، انتهت مصر، المكفولة سعوديا، بالرزوح تحت نظام عسكري، أخرجها من دائرة الفعل العربي، وجرف فيها ليس فقط الحياة السياسية، بل كل دعائم الحياة المدنية الكريمة، في ظل صيحات المواطنين من غلاءٍ لا يطاق، فضلا عن وضع حقوقي متردٍ، ومشاريع وهمية، وصراع بين العساكر على الثروة والنفوذ.
وقد مثّل اندفاع الرياض مبكرًا إلى تأييد الانقلاب في مصر مؤشرا واضحاً على مقاربة اختارتها، تجسّدت، عقب ذلك، في عداء المقاومة الفلسطينية، وتجريم كل متعاطف معها، ما يعطي تفسيرًا لما انتهت إليه الرياض وحلفاؤها بحصارهم قطر، فهي تعتقد أن الربيع العربي لم يبدأ عام 2010 بثورة الياسمين التونسية، بل بدأ عام 2006 بفوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في العالم العربي حينذاك، وأفرزت قيادات اختارها الشعب، إذ رأت عواصم الثورات المضادة في نموذج رئيس الوزراء الذي يؤم المصلين في صلاة الفجر، ويسكن في المخيم، تهديدا وجوديا لها، ورأت الرياض في تعامل الدوحة مع نتائج الانتخابات في غزة تغريدا خارج السرب. كما اعتبرت أيضا تعامل الدوحة مع نتائج الانتخابات عام 2012 في مصر مشاغبة أخرى لا تغتفر. ولم تدرك الرياض ودول الحصار أن قطر لم تصنع هذه الجماعات، بل تعاملت بذكاء معها ومن دون عقدة الخوف، فيما اختارت الرياض مناصبتها العداء، فخسرت شعبيا، وربحت قطر.
.. لم تكن القمة الأميركية الخليجية نحسا على القطريين والفلسطينيين، بل على السعوديين أنفسهم، فقبلها كان التحالف العربي الذي تقوده الرياض يتقدّم في اليمن، بينما أصبحت صواريخ الحوثي تدك الرياض وجيزان ونجران بعد القمة. وبعد "القمة النحس"، خرجت الرياض تماما من الملف السوري، وزاد النفوذ الإيراني. وبعدها اكتسح حزب الله لبنان في انتخاباتٍ زادت في عزلة حلفاء الرياض. أما المشهد الأكثر سوريالية، فكان ربط المواطن العربي بين ما اقترفه ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والقمة التي رقص فيها بالسيف العربي في الرياض، وغادرها إلى تل أبيب، محملا بأموالٍ من بيت مال المسلمين.
كل هذه الخسائر من المقاربة التي اختارتها الرياض تجعل التساؤل ضروريا ومشروعا، بل براغماتيا بحتا، عن فرص تغيير الرياض تلك الاستراتيجية، فهل تصحح المملكة مسارها لتستغل اللحظة التاريخية التي لم تفت بعد؟ وهل تنتهي من حالة الثأر التي تحكم سلوكياتها، وتشوش على قراراتها، وتشرع في سياسةٍ متزنةٍ راشدةٍ تملأ حالة الفراغ التي تشهدها المنطقة وتقودها إلى بر الأمان؟.