لن تسرقوا الذاكرة

لن تسرقوا الذاكرة

09 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
مشهدان يختزلان صراعنا، نحن الفلسطينيين، مع الصهاينة، في تجمع لأنصار فلسطين في بريطانيا: طفلة فلسطينية ذات ستة أعوام تكتب بعفوية بالإنكليزية: "أتمنّى أن تصبح فلسطين حرّة قريباً". واثنان من أنصار إسرائيل يقفان على بوابة القاعة التي تعقد فيها الفعالية، ويهتفان لإسرائيل، ويتهمان الفلسطينيين وأنصارهم بالإرهاب، معبرين عن غضبهما من انعقاد هذه الفعالية في لندن، على الرغم من محاولاتهما البائسة لمنع انعقادها.. اثنان فقط.
يُساق المشهدان هنا للتأكيد، عن يقين، أن شعبا أطفاله من الجيل الرابع يحلمون بالعودة إلى فلسطين لن تهزمه شرذمة من صهاينة القرن، مدعومين بمراهقين من أبناء جلدتنا. يؤكد المشهدان أن من نجح، في غفلة منا ومن الزمن، في سرقة وطن، لن يتمكّن من سرقة الذاكرة؛ وأن أمام الصهاينة، ومن اختار أن يكون معهم من المتصهينين العرب، مهمة صعبة جدا، فهذا الجيل الرابع من فلسطينيي المهجر، وخصوصا من ولد في الغرب، أشد إصرارا على حقهم في وطنهم، وعلى حتمية العودة إليه، على الرغم من كل محاولات تزييف التاريخ، والسطو على ذاكرة شعب بأكمله. عقدت في بريطانيا فعاليات "فلسطين إكسبو"، وهو مهرجان ثقافي فلسطيني، موجّه إلى غير الناطقين بالعربية من الإنكليز والأوروبيين والمسلمين من غير العرب، وهو واحدٌ من نشاطاتٍ يقوم بها أنصار القضية الفلسطينية، للتعريف بها وبالتاريخ والتراث الفلسطينيين، ويجد فيها المتضامنون الأجانب فرصةً للتعرف عن قرب على فلسطين، وللتضامن مع الفلسطينيين في نضالهم من أجل الحرية.
كان رجل إنكليزي وزوجته الستينيان، إلى جانبي، ينتظران على طابور الفلافل، وفي أيديهما أعلام فلسطين. أكيد أنهما لم يقتنعا برواية الإسرائيليين أن الفلافل أكلة إسرائيلية، كما يروج أنصار إسرائيل في الغرب. صحيحٌ أنها قضية بسيطة، لكنها بالغة الأهمية في نضالنا ضد
محاولاتهم سرقة تراثنا، بمختلف أشكاله. هذا الإنكليزي وزوجته اللذان فضلا أن يتضامنا مع الفلسطينيين على أن يستمتعا بإجازة نهاية الأسبوع يستحقان كل التقدير. وعلى جماعات الضغط العربية العاملة في الغرب أن تحاول تعزيز الوصول إلى من هم مثلهما، وفي الوقت نفسه، العمل على استهداف الشباب الغربيين، لأنهم الأقدر على التأثير في صناعة القرار في المستقبل.
وفي ظل تراجع القضية الفلسطينية عن الأجندتين، العربية والدولية، وانهيار ما تسمى عملية السلام، بسقوط مشروع أوسلو عمليا بقرار إسرائيلي، بات واضحا أن على الفلسطينيين اليوم أن يعودوا إلى المربع الأول في نضالهم، وأن تعمل فصائلهم من جديد بوصفها حركات تحرّر وطني، وليس أحزابا تسعى إلى السلطة، وهذا يتطلب حشد قواها في الداخل والخارج، لمواجهة الهجمة الصهيونية الشاملة التي تستهدف الذاكرة والتراث، بعد تمكّنها من سرقة الأرض.
ولعله من المهم، والأساسي ربما، التذكير بأيام النهضة الوطنية والفكرية والتعبوية للقضية الفلسطينية في الستينات والسبعينات، والتي كانت نشطة عبر مؤسسات منظمة التحرير في العالم، ولكن المفارقة اليوم أنها تضاءلت، فيما ينشط اللوبي الصهيوني غربيا، مدعوما، للأسف الشديد، بلوبي عربي متصهين، تتصدّى لهما جهود متفرقة هنا وهناك، فأين منظمة التحرير، وأين الدعم العربي؟ لماذا لا يوجد لوبي فلسطيني وعربي موحّد ينشط بقوة في الغرب الذي ما زالت فيه مساحة معقولة من الحرية. كلها أسئلة على الفلسطينيين أن يأخذوا فيها زمام المبادرة لاستعادة قضيتهم، وإحيائها عربيا ودوليا.
الخطوة الأولى لاستعادة القضية الفلسطينية، وإعادتها إلى الواجهة، تكمن في عودة القوى الفلسطينية المختلفة إلى العمل قوى تحرّر وطني، بكل ما يتطلبه هذا المعنى من حشد ثقافي وتعبوي وسياسي وشعبي، شرطه الأول الوحدة على برنامج وطني فلسطيني جامع، يقطع الطريق على محاولة القفز على القضية الفلسطينية وتصفيتها، كما أنه يسحب الشرعية من أي دول عربية، أو غير عربية، تدّعي حرصها على حل القضية الفلسطينية، وهي في الحقيقة تسعى إلى تصفيتها وبيعها، فلولا أن الفلسطينيين اليوم منقسمون والعرب تائهون، لما وجد جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس الأميركي، ثغرة ينفذ من خلالها إلينا بمشروع "صفاقة القرن"، ولما تجرّأ كذلك على جمع أموال بيع فلسطين من جيوب العرب في مشهد تتمثل فيه كل معاني الوقاحة والهوان.. كوميديا سوداء أبطالها مراهقون عرب، صادقوا مراهقا أميركيا، لعب الحظ معه بأن وصل حماه إلى سدة الرئاسة في أكبر بلد.