سقطت الطائفية في بلد الطوائف

سقطت الطائفية في بلد الطوائف

17 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لعل أبرز ما يمكن قراءته في حراك لبنان، إعلان المنتفضين فيه سقوط نظام الطوائف الذي تبين أنه ليس قدراً، بل نتاج محاصصات سياسية بالدرجة الأولى، استُعمل فيها المذهب والطائفة في التمكين لمجموعة من الأفراد، تحت شعار "تمثيلهم طوائفهم". ويبدو واضحاً في رسائل انتفاضة اللبنانيين إعلان شبابهم وشاباتهم الكفر بنظام المحاصصة القائم، ذلك الذي كرّسه سياسيون فاسدون، استعملوا الطائفة والدِّين في التمكين لجملةٍ من المصالح والمكتسبات على حساب مصلحة مواطني بلدهم، وحتى طائفتهم.
ما استشعره اللبنانيون، ونزلوا إلى الشارع من أجل مواجهته، أن الفساد عابر للطوائف، فكان حراكهم عابراً كذلك للطوائف. هي انتفاضة شاركت فيها كل الطوائف: المسيحي والدرزي والسُّني والشيعي، ومَن وقف - في الوقت نفسه - ضدها، سياسيون من كل الطوائف، ذلك أن سقوط نظام المحاصصة الطائفية لا يهدّد المنتفضين الموحَّدين خلف مطالب وطنية، لكنه يعني نهاية عقود من المكاسب المصلحية لقادةٍ قالوا إنهم يدافعون عن طوائفهم، فيما هم يتكسبون منها.
وفي الوقت الذي كشف فيه لبنان عن زيف نظام المحاصصة الطائفية، كشف كذلك عن أزمة أخلاقية وسياسية ووطنية لدى ما كان يسمّى، حتى وقت قصير، تيار "الممانعة والمقاومة"، وتحديداً حزب الله، الذي تحول منذ تورطه في سورية إلى قوة تمارس العنف، وتبرر استعماله بأبشع أنواعه في سبيل تحقيق أغراض سياسية. ففيما كان الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، قد امتدح سابقاً انتفاضة البحرين، ورأى فيها ثورة للمظلومين، تحول في سورية ولبنان إلى مدافع عن نظم فاسدة مستبدة.
وصحيح أن أسباب الانتفاضة في لبنان تعود إلى حنقٍ شعبيٍّ على زيادة الرسوم على تطبيق
"واتساب"، إلا أن هذه كانت فقط بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، وفجّرت غضباً مكنوناً في النفوس اللبنانية منذ عقود، وكشفت عن تعقيدات ومشكلات بنيوية في شكل النظام السياسي القائم، الذي جاء عقب تسوياتٍ إقليمية ودولية، لم يكن للبنانيين اليد العليا فيها، ولا الكلمة الأخيرة، بل وُلد النظام القائم حالياً من رحم تفاهماتٍ أعقبت اتفاق الطائف الذي قدّم فيه لبنان للنظام السوري على طبق من ذهب، برعايةٍ سعوديةٍ أميركية. وفي سبيل إنهاء الحرب الأهلية الطاحنة في البلاد، وعبور تلك الحقبة السوداء، قبل اللبنانيون مخرجات ذلك الاتفاق، وتحملوا عقوداً من طغيان النظام السوري، وعربدة السعودية عبر نفوذها في الداخل، وراقبوا كيف كان يتخذ القرار السياسي لبلادهم في دمشق والرياض وطهران وباريس وواشنطن، من دون المرور ببيروت. صبروا سنين مستحضرين فوبيا الحرب الأهلية، وخشيتهم من تكرار حدوثها، متقين نيران الطائفية، والاحتراب الأهلي، لكنهم قرّروا، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 أن الطائفية أصل الفساد، وأن إسقاطها هو الشرط الأول في إصلاح الاقتصاد والسياسة وتحقيق مصالح العباد، ولذلك راهنوا على الوعي الجمعي لشبابهم وشاباتهم، وكانت انتفاضة شعبية جامعة وموحدة فاجأت سياسييهم الطائفيين.
وفي دراسةٍ لمنظمة أوكسفام، صدرت مطلع العام الجاري، تبين أن سبعة أثرياء لبنانيين يملكون ثروة شخصية إجمالية تبلغ 13.3 مليار دولار، أي عشرة أضعاف ما يملكه نصف الشعب 
اللبناني. كذلك يملك 1% من اللبنانيين ثروة تزيد على ما يملكه 58% من اللبنانيين. ألا تبدو هذه الأرقام كافية لتأكيد مفاسد النظم الطائفية؟ وإذا أردنا مثالاً آخر لندلّل على هذا الاستنتاج، نلتفت فقط إلى ما وصل إليه نظام المحاصصة في العراق بالبلاد، حيث يقول البنك الدولي إن 13 مليوناً فيه، فقراء وبحاجة للمساعدات. هذا البلد ذاته، اختفى فيه في العهد الجديد بعد سقوط نظام صدام حسين، قرابة 450 مليار دولار، وفقاً لتقارير رسمية. بلد يبلغ حجم احتياطي النفط فيه 112 مليار برميل، يعيش مواطنوه فقراء. بلد تحول فيه "العهد الجديد" من ثورة على استبداد "البعث" إلى نظام محاصصة مستبد باسم مكافحة البعث!
يمكن القول باطمئنان إن انتفاضتَي العراق ولبنان، هما استفتاء على فشل نظم الحكم الطائفية، وإعلان ميثاق جديد يكتبه شباب البلدين، أول كلمة فيه "دولة المواطنة"، لا المحاصصة.