جون أبي زيد... "العربي المجنون" خيار ترامب سفيراً لدى السعودية

14 نوفمبر 2018
الصورة
أمضى أبي زيد 34 عاماً في الجيش (تشاك كينيدي/Getty)
+ الخط -
لم يبتعد الرئيس دونالد ترامب، عن خياراته التي يفضّل، عندما فكّر باختيار سفيره الجديد لدى السعودية، فمنْ أفضل من جنرال متقاعد لقبه "العربي المجنون"، كي يملأ منصباً دبلوماسياً شاغراً، في وقت تبدو فيه العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة على المحك؟

بعد انتظار دام سنتين تقريباً، حسم ترامب خياره، مساء الثلاثاء، وأعلن أنّه يرشّح جون أبي زيد، الذي خدم طويلاً قائداً للقيادة المركزية الأميركية الوسطى، لتولّي مسؤولية السفارة الأميركية في الرياض، وملء المنصب الشاغر، منذ أن غادره السفير السابق جوزيف ويستفال، في يناير/كانون الثاني 2017.

وفي حال إقرار مجلس الشيوخ هذا الترشيح، فإنّ أبي زيد سيتولّى منصب السفير الجديد في السعودية، في وقت تزين فيه إدارة ترامب الرد الأميركي ومواقفها من حول مقتل الكاتب السعودي في صحيفة "واشنطن بوست" جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، في 2 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وقد تكون لأبي زيد كلمة الفصل في كيفية صياغة هذا الرد، بين إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الغاء تأشيرات السعوديين المتورطين في قتل خاشقجي، وقول وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس إنّه "سيتم اتخاذ تدابير إضافية".

ولعلّ وقوع خيار ترامب على أبي زيد، وهو الذي تقاعد في عام 2007، بعد حروب خاضها في غرينادا والخليج العربي والبوسنة وكوسوفو وأفغانستان والعراق، جاء في إطار تطلعه إلى لعب أبي زيد دوراً دبلوماسياً بحكم موقعه الجديد، محكوماً بخلفية ماضيه العسكري.

خلفيةٌ يحتاجها ترامب، في وقت تواجه فيه إدارته أيضاً انتقادات داخلية وخارجية بسبب دعمها السعودية في حرب اليمن، وقد تكون بيضة القبان التي أدت لميلان كفة الميزان لصالح أبي زيد، بعدما كان ديفيد أوربان، أحد مؤيدي حملة ترامب، الأقرب لتولّي المنصب الجديد.

"العربي المجنون"

جون أبي زيد أميركي من أصل لبناني، ولد في مدينة كولفيل بشمال ولاية كاليفورنيا الأميركية، عام 1951. كان أجداده قد هاجروا إلى الولايات المتحدة من قرية مليخ في قضاء جزين في جنوب لبنان عام 1915. والده وهو ميكانيكي في البحرية خلال الحرب العالمية الثانية، تولّى تربيته بعد وفاة والدته نتيجة مرضها بالسرطان.

وأبي زيد متزوج ولديه ثلاثة أولاد، وهو يتكلّم اللغة العربية بعدما تعلّمها في الجيش.

اكتسب تعليمه العسكري من خلال كلية أركان القوات المسلحة، والزمالة العليا في كلية الحرب بالجيش الأميركي في معهد "هوفر" بجامعة ستانفورد. خلال سنوات دراسته في الأكاديمية العسكرية الأميركية (USMA) في جامعة "ويست بوينت" في نيويورك (دفعة 1973)، كان زملاؤه يطلقون عليه لقب "العربي المجنون".

حصل أبي زيد أيضاً على درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط في جامعة "هارفارد"، وكان باحثاً في الجامعة الأردنية في عمان.

ورقته البحثية المؤلفة من مائة صفحة حول السياسة الدفاعية للمملكة العربية السعودية، هي الورقة الوحيدة لطالب ماجستير التي يحتفظ بها نداف سافران مدير مركز "هارفارد" لدراسات الشرق الأوسط، واصفاً إياها بأنّها "أفضل ورقة بحثية" مرّت عليه، خلال أكثر من 30 سنة في جامعة "هارفارد".

الخدمة العسكرية

في صيف يونيو/حزيران 1973، وبعد تخرّجه من الأكاديمية العسكرية الأميركية في جامعة "ويست بوينت" بنيويورك، بدأ أبي زيد حياته المهنية ملازماً ثانياً في فوج المشاة 504 في فورت براغ بولاية نورث كارولينا. قاد كذلك المجموعات في كتيبة "رينجر" الأولى والثانية، ومجموعة "بندقية الحارس" خلال محاربة الوجود الشيوعي في جزيرة غرينادا في أميركا الوسطى.

في عام 1983، قفز من المقاتلة الجوية "إم سي- 130"، وهبط على أرض غرينادا، وأمر أحد رفاقه بقيادة جرافة كدبابة باتجاه القوات الكوبية بينما كان يتقدم وراءها، وهي خطوة جسّدها فيلم كلينت إيستوود "Heartbreak Ridge" عام 1986.

في عام 2003، شغل منصب نائب قائد ، في قيادة القوات المشتركة تحت إمرة القيادة المركزية الأميركية، أثناء غزو العراق. وبعد حرب العراق عام 2003، وإطاحة نظام صدام حسين، تولّى قيادة القيادة المركزية خلفاً للجنرال تومي فرانكس.

خلافاً لما خطط بشأن التقاعد، خضع أبي زيد لرغبات وزير الدفاع، آنذاك، دونالد رامسفيلد، وتراجع عن خطوته، حتى أعلن في 20 ديسمبر/كانون الأول 2006، أنّه سيتنحى عن منصبه.

وفي 16 مارس/آذار 2007، أعطى أبي زيد شارة القيادة إلى الأدميرال ويليام فالون، بعد أن أمضى فترة أطول أكثر من أي من أسلافه، كقائد للقيادة الأميركية الوسطى، واختتم بذلك فترة خدمة في الجيش الاميركي دامت 34 عاما.


"نسختنا من لورانس العرب"

بعد السنوات التي قضاها "غازياً" للعراق، رسم أبي زيد "صورة حذرة لكن متفائلة" عن الوضع هناك، كما ذكر بوب وودوارد الصحافي المخضرم في "واشنطن بوست"، في كتابه "حالة إنكار: بوش في الحرب".

تغاضى أبي زيد، خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، في 16 مارس/آذار 2006، عن آثار غزو بلاده على الوضع السياسي في العراق، وألقى باللائمة على "العنف الطائفي".

ومع ذلك، فضّل أبي زيد إستراتيجية تسليم القيادة إلى القوات العراقية، في أقرب وقت ممكن، وقاوم إرسال مزيد من القوات الأميركية، عندما اختار جورج دبليو بوش "زيادة" التعزيزات في عام 2007.

في الكتاب المذكور، قال وودوارد إنّ أبي زيد، "ذهب لمقابلة عضو الكونغرس السيناتور المخضرم جون مورثا (73 عاماً)، والذي كان قد قدّم اقتراحاً يدعو إلى "سحب القوات من العراق في أقرب وقت ممكن عملياً". و"وفقاً لمورثا، رفع أبي زيد يده للتأكيد، وعقد الإبهام والسبابة، ربع بوصة من بعضهما البعض، وقال: إنّنا على بعد هكذا من ذلك".

وكان أبي زيد قد قدّم شهادة أمام اللجنة، عن الوضع على الأرض في العراق، قال فيها "أعتقد أنّ العنف الطائفي ربما كان سيئاً إلى الحد الذي رأيته، وفي بغداد على وجه الخصوص، وإذا لم يتم إيقافه، فمن الممكن أن ينزلق العراق نحو حرب أهلية. أنا متفائل بأنّ هذا الانزلاق يمكن منعه".

فهمه العميق للشرق الأوسط جعله "نسختنا من لورانس العرب"، يقول جون هانا مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس ديك تشيني، في وصفه لأبي زيد، مشيراً إلى أنّ الأخير صاغ عبارة "حرب طويلة" لوصف صراع واشنطن مع "الإرهابيين"، وللتوضيح للأميركيين بأنّ "الحرب على الإرهاب" لن تكون مجرد معركة سريعة.

بديل قناة كوشنر-بن سلمان؟

وعد ترامب "بعقوبات صارمة" إذا ثبت أنّ السعوديين كانوا وراء قتل خاشقجي، لكنّه قاوم دعوة النواب في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لتخفيض مبيعات الأسلحة إلى المملكة. واستندت استراتيجيته في الشرق الأوسط بخصوص مواجهة إيران، وإجبار الفلسطينيين على السلام مع إسرائيل، إلى حد كبير، إلى السعودية، وإلى علاقة تولّى تنميتها جاريد كوشنر، صهره ومستشاره الأول، مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وتنقل صحيفة "نيويورك تايمز"، عن ثلاثة أشخاص مطلعين، قولهم إنّ إدراة ترامب درست على مدى عدة أشهر، قضية ترشيحه سفيراً لدى السعودية، وقول أحدهم إنّ أبي زيد رفض هذا المنصب مرتين، قبل قبوله.

وفي هذا الإطار، قال بروس أو ريدل الباحث في معهد "بروكينغز"، للصحيفة، عن ترشيح أبي زيد للمنصب، "خيار ممتاز فهو من ذوي الخبرة عن المملكة، لكنّه يواجه تحدياً غير مسبوق في التعامل مع ولي العهد الذي تتعرّض سمعته للتفكّك، وبشكل ربما لا يمكن إصلاحه".

وفي السياق، يقول جيرالد فييرستين، وهو سفير سابق في اليمن، إنّ اختيار أبي زيد أظهر أنّ ترامب يواصل تفضيل الضباط العسكريين، لشغل مناصب دبلوماسية عليا، مستدركاً بالقول "لكن أبي زيد ليس اختياراً سيئاً وقد يكون له بعض النفوذ مع السعوديين".

ورأى أنّ "توقيت اختيار أبي زيد مثير للاهتمام أيضاً، بعد تأجيل استمر عامين. قد يشير ذلك إلى أنّ الإدارة قد أدركت أخيراً أنّ قناة "كوشنر-MBS (محمد بن سلمان) ليست فاعلة لتنظيم العلاقة بين واشنطن والرياض".


إيران نووية

في مقاربته لملف إيران الشاغل لترامب، يبدو أبي زيد عملياً للغاية، يدعو للتسليم بإيران نووية، ويتفاخر بقدرة قوات بلاده على ردعها، "إذا أصبحت كذلك".

ففي تصريحات له، بمؤتمر لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في 17 سبتمبر/أيلول 2007، قال أبي زيد: "نحتاج إلى الضغط على المجتمع الدولي بأقصى ما نستطيع، وعلى الإيرانيين، للتوقف والكف عن تطوير سلاح نووي. ويجب ألا نستبعد أي خيار قد نضطر للتعامل معه".

وقال أيضاً، "أعتقد أنّ لدينا القدرة على ردع إيران، إذا أصبحت نووية. هناك طرق للتعايش مع إيران نووية. دعونا نواجه الأمر، وتعايشنا مع اتحاد سوفييتي نووي، وتعايشنا مع الصين نووية، ونحن نعيش مع قوى نووية (أخرى)".

وترشيح ترامب لأبي زيد سفيراً لدى السعودية، حليفة واشنطن التي تحاول دفعها لمواجهة إيران في الشرق الأوسط، يأتي كذلك في وقت تنفّذ فيه سياسات الرئيس الأميركي الجمهوري على الأرض، وهو الذي انقلب على سلفه باراك أوباما، وأعلن انسحابه من الاتفاق النووي المبرم بين إيران والدول الكبرى عام 2015، وشّن حرباً اقتصادية على طهران؛ عنوانها الأول العقوبات، وتاليها يبقى رهينة سياساته في قادم الأيام.

المساهمون