جدوى مبادرات التسوية في العراق

11 يناير 2017
الصورة
ربما تضع (مبادرة) "التسوية الوطنية" التي طرحها زعيم التحالف الوطني، عمار الحكيم، الخريطة السياسية في العراق على طريق الفعل (الدولي) بشكلٍ أكثر فاعليةً مما سبق من مشاريع ومبادرات، لم تنل المستوى الكافي من الاهتمام والمتابعة؛ وكانت لجنة المصالحة الوطنية في مجلس الوزراء العراقي قد اعتبرت أن هذه التسوية المقترحة تمتلك "أربع ركائز، هي احتواؤها على مبادئ وأسس، وعنصر الضمانات، وخطة تنفيذية من خمس مراحل لتنفيذ التسوية، فضلاً عن وجود شراكة تامة مع بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) من أجل إدخالها في البعد الأممي". 

لكن، هل هناك فعلا خطة قابلة للتنفيذ تقود إلى تسوية الخلافات والمشكلات الكبيرة في بنية العمل السياسي في العراق؟ وهل قوى التحالف الوطني كلها متفقة على تفاصيل هذه الخطة بشفافية ونكران ذات؟ ثم من الذي يمكن أن يدعم دولياً مثل هذه الخطة، ويضمن لها القدرة والقوة الكافية للتنفيذ على أرض الواقع؟
معظم القوى الموجودة في الاتجاه الآخر من القوى الشيعية في التحالف الوطني، وخصوصاً في تحالف القوى العراقية، اعتبرت الخطة بمثابة عملية اجترار لخطط ومبادرات مشابهة، طرحتها قوى رئيسة، كالحزب الإسلامي مثلا، قبل أكثر من عشر سنوات، ويرى الحزب الديمقراطي الكردستاني أن المبادرة مجرد "استبدال عنوان المصالحة الوطنية بعد استهلاكه بعنوان آخر جديد". وذهب رئيس البرلمان العراقي، سليم الجبوري، بعيداً جداً في سقف تفاؤله، حينما اعتبر أن "الوقت قد حان لتصفير المشاكل" .
عودةً إلى أطراف التحالف الوطني، يؤكد نوري المالكي، نائب رئيس الجمهورية وزعيم حزب الدعوة وكتلة دولة القانون، على ضرورة الالتزام بضوابط لتحديد المشمولين بخطة التسوية، وهو هنا يفتح الأبواب بشكل مشرع لعدد غير محدّد من محدّدات المشمولين ببنود هذه الخطة. وهم بالطبع؛ البعثيون، ومن اعتلى منصات الاعتصامات الجماهيرية في الفلوجة والرمادي والحويجة والموصل وسواها، وكذلك أعداد غير محدودة من العسكريين وقوى الأمن الداخلي والمخابرات، خلال فترة النظام الوطني السابق، تحت عنوان فضفاض هو "الملطخة أيديهم بدماء العراقيين"، ثم عبّر ضمناً عن رفضه الشكل العام للخطة، ووصفها بأنها "إعادة إنتاج الإرهاب ومشاريع التقسيم باسم التسوية".
يرى زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، أن هذه التسوية المقترحة تخدم، فترة محدودة، 
موضوع الانتخابات المقبلة، وأنها ستتلاشى، بعد أن يحصل كل طرف فيها على مبتغاه "نريد اليوم من التسوية أن تكون مجتمعيةً دائمة، لا تسوية سياسية تأتي مع قرب موعد الانتخابات وتذهب بعد انقضائها". وشدّد الصدر على عباراته، خصوصاً بعد أن رفض المرجع الشيعي، علي السيستاني، استقبال عمار الحكيم، لبحث هذه المبادرة في مقرّه في مدينة النجف الأشرف، وهو ما اعتبره الصدر صراحةً رفضاً شعبيا لكل أطراف العملية السياسية، وقد عبّر عن ذلك في بيان، وطالب بتغيير وجوه العملية السياسية ومحاسبة الفاسدين ووقف التدخلات الحزبية والمليشياوية في عمل الحكومة.
باتت كل الأطراف الآن تعلم أنه ليس هناك خطة فعلية وواقعية لتسوية سياسية شاملة في العراق، وأن ما طرح من خطة هو لرأب الصدع داخل أركان العملية السياسية والاستعداد لأمرين مهمين؛ الأول هم ما بعد تحرير الموصل، وزوال الشماعة التي استخدمت لتسويف حقوق بعض المكونات العراقية، أو إلغائها، بحجة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والمواجهة المباشرة مع هذه المكوّنات التي لم يبق لديها شيء لتخسره. والأمر الثاني موضوع الانتخابات المقبلة والرهان الصعب على البقاء ضمن تشكيلة العملية السياسية الحالية، والتي يقف الشعب العراقي منها موقفاً رافضاً، بسبب حالة التردّي التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد.
وعلى هذا الأساس، أراد عمار الحكيم، بصفته الحالية زعيماً للتحالف الوطني (الشيعي)، أن ينقذ كتلته وبقية القوى المؤتلفة في هذا التحالف من خطر السقوط المدوّي، سواء المتوقع منه من قوى من داخل التحالف (الصدريون) أو من القوى المتربصة (تحالف القوى العراقية) وبعض القوى الكردية مع قواعدهم الشعبية، وتصدير هذه الصورة الإيجابية عن طريق يان كوبيش، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، إلى المجتمعين، العالمي والإقليمي، لضمان وضع العراق تحت خيمة المعالجات الدولية، وبالتالي ضمان بقاء الجميع لاعبين أساسيين في المفاوضات، وفي التحكّم بمفردات الحل وما بعده، وهو ما يرحب به كوبيش، على اعتبار أنه إنجاز له، في نهاية الأمر، والخروج من عنق الزجاجة التي تجد الأمم المتحدة نفسها فيه في الملف العراقي، وقد قال إن "الأمم المتحدة تعهدت بالتعامل مع أي طرف يهدّد أو يعرقل تنفيذها، كما تعهدت بالتحشيد الدولي لصالح المبادرة".
يجب أن تكون التسوية السياسية في أي بلد بين الأطراف المتصارعة، أو المختلفة فيما بينها عقائدياً أو منهجياً أو سواها، ولم تكن التسويات السياسية في أي يوم بين أطرافٍ، كما في الحالة العراقية. كان يجمعهم، في يوم من عام 2002 مؤتمر لندن، ثم جاءوا مع القوات التي غزت بلادهم واحتلتها عام 2003، وتعاقبوا على حكم البلاد وإشاعة الفوضى والفساد واعتماد سياسات التهميش والإبعاد والعزل السياسي الجائر، وفتحوا الأبواب لدولٍ كانت، إلى زمن 
قريب، معاديةً للعراقيين، لتكون صاحبة الكلمة الأعلى والنفوذ الأكبر في البلاد. ولعل نماذج التسويات السياسية في العالم كثيرة، منها اتفاقية "بلفاست" بين الجيش الجمهوري الإيرلندي السري ورئاسة الحكومة البريطانية، كان من أهم بنودها مجلس حكم مستقل ومنتخب في أيرلندا الشمالية، إضافة إلى تقاسم السلطة واستفتاء على توحيد أيرلندا أجري في مايو/ أيار 1999.
من أهم أسباب إعلان ما أطلق عليها "خطة التسوية السياسية" في العراق عامل رئيسي ثالث، إضافة إلى ما سبق ذكره عن عاملي نهاية الحرب مع "داعش" وموضوع الانتخابات المقبلة، وهو ربما يمثل الهاجس الأخطر لأطراف العملية السياسية في العراق، والقريبين من إيران؛ ذاك هو سقف التوقعات الأخطر والمتعلق بفترة رئاسة الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، والذي وصف إيران دولة محتلة للعراق؛ وقال صراحة إن "النظام الإيراني سيحتل العراق. هم يقومون بذلك الآن، وهذه ليست صورة جيدة".
على من يريد التسوية الحقيقية في العراق أن يذهب مباشرة إلى الشعب، فهو الضحية الأولى في هذا البلد. وعليه أن يفسح المجال للشباب والأكاديميين والقوى التي تؤمن بحقوق المواطنة وقيمة القانون والمساواة أمامه، لكي يشكلوا قواعد خيارات المستقبل، وأهمها نبذ الطائفية بكل أنواعها، ونبذ العزل السياسي والإقصاء، ومحاسبة المفسدين والقتلة أياً كان مركزهم أو مصادر قوتهم، أما أن تكون التسوية بين من ترتفع الحواجز بينهم وبين شعبهم كل يوم أكثر فأكثر، فهي بلا شك ولدت ميتة.