جاهين والأبنودي ومكّاوي... الراحلون في كل ربيع

03 يونيو 2020
الصورة
جاهين صديق الأبنودي ومكاوي (رسم عصام عزوز)
بين إبريل/ نيسان ومايو/ أيار، رحل ثلاثي البهجة المصرية: صلاح جاهين (في عام 1986)، وسيد مكاوي (في عام 1997)، وعبد الرحمن الأبنودي (2015). في الربيع، رحل ثلاثتهم.. وهو ما يجعل من هذا الفصل تحديداً فصلاً حزيناً على الشعر المصريّ العاميّ، وعلى القصيدة العامية المغنّاة. ورغم الحزن الذي يحمله الربيع في ذكرى هؤلاء، فإنه مناسبة في كل سنة لاستعادة تِركة هؤلاء، وأثرهم على الساحة الغنائية المصرية. 
البداية مع اثنين من أهم شعراء العامية المصرية؛ أي جاهين والأبنودي. امتلك كل منهما مدرسة خاصة ومختلفة عن الآخر: جاهين يكتب عن المدينة وسكانها بكل مشاكلهم وأسئلتهم ومشاعرهم، وسط كل ضجيج القاهرة الأثير. بينما حفر الأبنودي ونقب في القرى والصعيد عن المشاعر وتخبطها. تجربتان مختلفتان في الشكل والحياة، وفي التعبير عن أفكارهما وانتماءاتهما، لكنهما التقيا عند فكرة الإنسان المجرد، فكتب جاهين الرباعيات، وكتب الأبنودي "جوابات حراجي القط".
كان جاهين في مكانة الأستاذ للأبنودي الذي جاء إلى القاهرة للبحث عن فرصة لنشر قصائده. وكان الأول مسؤول باب "شاعر أعجبني" في مجلة "صباح الخير يا مصر"، فأرسل الأبنودي قصيدة "دودة القطن" للنشر في المطبوعة، وبعد أيام، فوجئ بسماع قصيدته مغناة بصوت المطربة فاطمة علي وألحان حلمي أمين، فكلم الأبنودي جاهين ليعرف كيف حصل ذلك، واكتشف أن مدير الإذاعة محمد الشجاعي هو من طلب تلحينها وتقديمها. وطلب منه جاهين الحضور إلى مبنى الإذاعة لاستلام حقه المادي مقابل الأغنية ومقابلة الشجاعي.
من هنا، بدأت رحلة الأبنودي مع الأغنية، وكتب يومها بعد مقابلة الشجاعي ثلاث أغنيات، هي "اتمد يا عمري اتمد" عن بناء السد العالي وغناها محمد قنديل، و"بالسلامة يا حبيبي" غنتها نجاح سلام، و"تحت الشجر يا وهيبة" التي غناها محمد رشدي وحققت نجاحاً كبيراً للاثنين، لينطلق الأبنودي في عالم الأغنية المصرية بفضل صلاح جاهين.
كان للشاعرين دور مهم في تطوير كلمات الأغاني، وذلك بسبب اعتمادهما على مفردات جديدة وصور شعرية مركبة، والتعبير عن الشعب وحالته، ما جعلهما في مكانة أهم كتاب الأغنية بكل أشكالها وتصنيفها.
ننتقل إلى سيد مكاوي. كان بين مكاوي وجاهين علاقة صداقة طويلة وعميقة، غضب مكاوي عندما علم أن جاهين كتب أغنية لأم كلثوم ولحنها كمال الطويل، إذ كان يرى أنه أحق من الطويل لما يملكه من صداقة مع جاهين. ضحك هذا الأخير وقال له: "وأنت فاكر في حد بيختار حاجة مع الست، هي اللي بتحدد وبتختار". أصرّ مكاوي في تلك الفترة على أن يقابل أم كلثوم، وذهب لمقابلاتها، ظناً منه أنها ستعجب بألحانه وتطلب أن يلحن لها، لكنها أنهت المقابلة وأثنت على ألحانه وتمنت له التوفيق. عرف وقتها مكاوي أنه ما زال أمامه وقت كي يصل لتلك المرحلة، لتمر السنين ويكون مكاوي من أواخر الملحنين الذين تعاملت معهم الست قبل رحيلها.
مثل علاقة سيد درويش ببديع خيري، وأحمد رامي وأم كلثوم، وجد مكاوي كلام الشارع في أغاني جاهين، وجاهين وجد الموسيقى التي تدخل القلب في عود وألحان مكاوي، مثل "ليلة مبارح مجانيش نوم"، و"أنا هنا يابن الحلال" مع صباح، و"حمام الغية" مع محمد رشدي، و"حدوتة" مع محمد قنديل.
من بين تلك الأعمال العمل الأهم؛ "الليلة الكبيرة": جاهين يكتب ويخلد صورة المولد بكلمات الناس كما هي، ومكاوي يستطيع تلحينها وتقديمها في شكل عمل غنائي، ثم تأتي الرباعيات التي قدم فيها جاهين خلاصة شعره وأفكاره الفلسفية بكل بساطة وجمال وإتقان، فكان مكاوي حاضراً يلحنها بشكل لا يقل جمالاً عن كتابتها.
جاهين ومكاوي ثنائي عبّر عن مصر بكل أحداثها ومشاكلها، نجد "ما أخذ بالقوة" مع سعاد حسني، ومع شادية في "الدرس انتهى"، وأوبريت "المكان" بغناء مجموعة من أجمل الأصوات، وفي نفس الوقت رغم تمسك مكاوي بالموسيقى الشرقية، كانت له تجارب بأجواء غربية وإيقاعات غربية، مثل أغنية "فالنتينا" التي قدمها مع جاهين. 

ترحيباً برائدة الفضاء الروسية فالنتينا تريشكوفا حين زارت مصر في احتفال البدء ببناء السد العالي بحضور الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس الاتحاد السوفيتي نيكيتا خروشوف.
هذا الربيع وكل ربيع، تستعيد الساحة الموسيقى ذكرى هؤلاء الثلاثة الذين لولاهم لما كان شكل الشعر العاميّ المصريّ كما هو اليوم ولا كانت القصيدة المغناة كما هي.
تعليق: