جاك كيرواك.. أمثولة الهايكو

14 ديسمبر 2014
الصورة
(تصوير: توم بالومبو)
+ الخط -

نعرف جاك كيرواك (1969 ـ 1922)، كأحد أبرز وجوه حركة "جيل البيت" الأدبية التي ظهرت في الخمسينيات، ورفعت لواء الثورة على القيم الأدبية والثقافية لأميركا ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جانب كتّاب بارزين لا يقلّون عنه شهرة وتأثيراً، مثل ويليام بوروز وألن غينسبرغ ولورنس فيرلينغيتي ونيل كاسادي وغريغوري كورسو.

نعرف أيضاً أن نجم كيرواك سطع بقوّة مع صدور روايته الطليعية "على الطريق"، التي صدرت عام 1957، وسرعان ما صارت النشيد المُلهم لحركة "جيل البيت"، وللكتّاب الأميركيين الذين جايلوه وتأثّروا بأسلوبه الفريد.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أنّ كيرواك، إلى جانب رواياته ونصوصه النثرية المعروفة، كان شاعراً مبدعاً أيضاً، جرّب ومارس عدداً كبيراً من الأشكال الشعرية، مثل الـ"سونيت" والقصيدة الغنائية والترانيم المقدّسة والـ"بلوز" والـ"هايكو"، ونشر في حياته عدداً من الكتب الشعرية، لعلّ أبرزها "بلوز مكسيكو سيتي"، "قصائد متفرقة"، "قصائد من كل المقاسات"، "الجنة وقصائد أخرى"، "كتاب البلوز".

مناسبة التذكير هنا بأعمال كيرواك الشعرية هي قيام لينا شدود بترجمة جديدة إلى العربية لـ"كتاب الهايكو"، الذي يضمّ قصائد "هايكو" خطّها كيرواك في فترات مختلفة من حياته الأدبية الغنيّة. وقد صدرت هذه الترجمة حديثاً عن "منشورات ضفاف" بالتعاون مع "منشورات الاختلاف" و"دار الأمان".

أما الكتاب الأصلي، فكان قد صدر بعد وفاة كيرواك، وتحديداً في عام 2003، بإشراف ريجينا وينريش، ويجمع نحو 500 قصيدة "هايكو"، تمّ اختيارها من بين نحو ألف نص من هذا النوع، جمع كيرواك بعضها أو عُثر عليها متناثرة بشكل عشوائي بين دفاتر مذكراته. ومع أن جزءاً من هذه القصائد سبق إدراجه ضمن أعماله النثرية والشعرية، إلا أن معظمها لم يُنشر من قبل في كتاب.

في خضمّ فورة الخمسينيات، اختار كيرواك حياة التجوال والتسكّع، مثل العديد من الكتّاب الأميركيين من أجيال سابقة. وآنذاك، كان هذا الاختيار هو الحلّ الأمثل لكاتب أراد الكتابة أبعد من الأنظمة والأساليب المرسومة سلفاً، من أجل استعادة أميركا الأسطورية والإنسان في نقائه وبدائيته الأصليتين. وفي مسعاه ذاك، تعمّق في دراسة البوذية وفلسفة الـ"زن" (Zen)، واطّلع على نماذج من الشعر الياباني، فتولّد لديه ما يُشبه الانجذاب التلقائي لشكل شعري أصيل هو قصيدة الـ"هايكو".

من المعروف أن قصيدة الـ"هايكو"، باعتبارها النمط الكلاسيكي الأشهر في الشعر الياباني، عرفت ازدهاراً كبيراً في القرن السابع عشر، مع ظهور أفكار الـ"زن" البوذية واللوحات المرسومة بالحبر الصيني، وهي شكل شعري انبثق من قصيدة الـ"تّانكا"، المشكّلة من سبعة عشر سطراً، بعد حذف بنائها السفلي والاحتفاظ فقط بالأسطر الثلاثة الأولى منها. وبينما كان موضوعها محصوراً في الطبيعة بفصولها المتعاقبة وما تتضمّنه من طقوس وعادات ونبات وحيوان، فإن غايتها كانت خلق انطباعات روحية وجمالية لدى القارئ، من خلال التعبير رمزيّاً عن اللامتناهي واللامحدود واللامنطوق، وكلّ ما هو مستثنى وخفي وراء الصورة.

بالنسبة إلى كيرواك، كان اكتشاف قصيدة الـ"هايكو" بمثابة العثور على البذرة التي ستصير شجرة في ما بعد وتُثمر شعراً غزيراً، على شكل قصائد قصيرة من ثلاثة أسطر، تُنير له الطريق الصّعب إلى الحكمة.

لقد تعلّم من ممارسته لهذا الشكل الشعري أن الطبيعة، على رغم هشاشتها وتقلّباتها السريعة، تحمل في ذاتها مبدأي التغيّر والتنوّع، مثل الإنسان. كلّ شيء يُولد ويموت، ثمّ يُولد من جديد إلى ما لانهاية. الألمُ والموت وحدهما موجودان هنا، وتنطوي عليهما الحياة نفسها. وقد حاول كيرواك، من خلال تجربته الروحية مع الـ"هايكو"، أن ينزع عن كليهما الطابع المأساوي، وأن يُسلّم بهما كأمر طبيعي، بعيداً عن أيّ اعتبار عاطفي أو فلسفي.

لم يكن جاك كيرواك أوّل شاعر أميركي يختبر كتابة الـ"هايكو"، فقد سبقه إلى ذلك كثيرون ألّفوا في هذا الشكل قصائد بديعة، مثل عزرا باوند، ويليام كارلوس، إيمي لويل، والس ستيفنز. لكنّه، بحسب شهادة الشاعر الأشهر بين جماعة الـ"بيت"، صديقه ألن غينسبرغ، يُعتبر سيّد الـ"هايكو" الأميركي بلا منازع، رغم أنّ كيرواك لم يكن وفيّاً لتقاليد هذا الشكل الشعري الأصيلة، وإنما جدّد فيه على طريقته وكيّفه مع اللغة الإنجليزية، بل واختار له تسميةً حديثة، من وحي الثّقافة الغربية، هي الـ"بوب".

***

طوال اليوم أرتدي
قبعة لم تكن
على رأسي


*


الطيور تغني
في الظلام
فجرٌ مطير


*


زهرة واحدة
على الجرف
تُومِئ للوادي


*


الحظيرة، تعوم
في بحرِ
أوراقٍ عصَفَت بها الريح


*


كرسي الصيف
يتحطم وحده
في العاصفة الثلجية

دلالات

المساهمون