ثالوث يهدّد نزاهة الانتخابات في تونس

01 سبتمبر 2019
الصورة
على وقع حملات انتخابية، وتسابق شائق في تونس، يصطفّ المترشحون للانتخابات التشريعية والرئاسية، وفيها اختلط الحابل بالنابل. يتحلق التونسيون، وينشدّون إلى متابعة ما يجري على تلك الحلبة الواسعة، حيث تخاض أعتى المعارك، بعضها ناعم وأخرى لا يُتورّع فيها عن استعمال أسلحة فتاكة. الإثارة والتشويق جزء من الحملات الانتخابية، منذ اقتحمت الانتخابات تلك وسائل الإعلام والدعاية. وكان ذلك أول الأمر في الولايات المتحدة الأميركية منذ أربعينيات القرن الفارط، حين كان الراديو آنذاك سيد الدعاية. لا أحد الآن ربما يولي وسيلة الإعلام هذه اهتماماً يضاهي سحر التلفزيون، أو وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
هذا السباق توسع، حتى اكتسح جلّ مجالات حياة التونسيين هذه الأيام، وخصوصاً أنه صادف عطلة الصيف الطويلة، إذ يخلد التونسيون إلى أكثر من ثلاثة أشهر من الراحة. يتيح هذا الكسل الصيفي للتونسيين متابعة هذا السباق، وخصوصاً في هوامشه وتفاصيله الصغيرة، ففي تلك التفاصيل تسكن شياطين الانتخابات التي تزيّن كل شيء ببراعة فائقة. لم يعتد التونسيون هذه الأجواء، فقد خلت الحملات الانتخابية في أكثر من سبعة عقود من مثل هذه الحماسة والتشويق. كانت مثقلة بالروتين، وكان يوم الاقتراع أشبه بيوم جنائزي، يحشر فيه التونسيون لاختبار مرشح وحيد. وحتى في حالات تعدّد الترشيحات التي كان "المتنافسون" فيها شبيهين بأرانب السباق، كانت النسب التسعينية للفوز، فضلاً عن مضايقاتٍ أمنيةٍ، تطاول بعضاً ممن يؤيدون مترشّحاً معارضاً، وجبة جاهزة تختم بها تلك الانتخابات الحزينة.
على الرغم من كل هذه المناخات الإيجابية التي تؤشر على حرص التونسيين على تعزيز تجربة الانتخاب الحر لحكام البلاد في مرحلة ما زال فيها عود الديموقراطية غضاً، فإن هناك تهديدات حقيقية يمكن أن تُنهك الانتخابات وتختزلها في مجرّد موعد روتيني، يقصد فيها الناس 
صناديق الانتخاب لاختيار من يعتقدون وهماً أنه الأجدر. وقد برزت تطوراتٌ جعلت المناخ الانتخابي ملبداً وغائماً، لعل أهمها الإيقافات التي طاولت رجل الإعلام نبيل القروي، وهو المترشّح للانتخابات الرئاسية أيضاً. أثار هذا الإيقاف ردود فعلٍ عديدة، لعل أهمها عن التوقيت المريب للإيقاف واستقلالية القضاء. وكانت ملاحقة الرجل قد بدأت سنة 2016، على خلفية بحث استقصائي دقيق، أنجزته جمعية ناشطة في مكافحة الفساد، وانتهت إلى أن القروي، من خلال شركاته، وهي بعشرات، في الداخل والخارج، يتهرب من دفع أموال الجباية المحمولة عليه إلى الدولة، فضلاً عن ممارسته عمليات تبييض أموال مشبوهة. رفع الملف إلى القضاء، وظل في عهدته إلى أن تم القبض عليه أخيراً، حين كان عائداً من اجتماع انتخابي.
يثير الرجل أكثر من شبهة، وهو الذي استعمل إحدى الجمعيات الخيرية التي أسسها، وحملت اسم نجله الذي توفي في حادث مرور، واستثمرها لاحقاً في العمل الخيري، وحوّل ذلك كله إلى دعاية سياسية فجّة. حين شعر بأن التعديلات المقترحة على قانون الانتخاب، التي رفض التوقيع عليها لاحقاً الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، عمد إلى شراء حزبٍ في اللحظات الأخيرة، ليغطّي في وقتٍ قياسي كل الدوائر الانتخابية (33 دائرة). ولم يكتف بكل هذه المناورات، وهو الذي رفض سابقاً الامتثال للقانون المنظم للقطاع السمعي البصري، وتظلم إلى الرئيس السبسي. وواصلت قناته البث، غير آبهةٍ بما صدر في حقها. وتشكل حالة نبيل القروي مثالاً بارزاً يمكن أن يهدّد الديمقراطية، وتحديداً المسابقات الانتخابية. إنه يجسّد الجمع بين الثالوث الخطير الذي أفسد تجارب ديمقراطية عديدة، واختزلها في انتخاباتٍ لا تجسّد إرادة الناخبين الأحرار: المال والإعلام والقضاء.
يحاكي نبيل القروي السياسي الإيطالي ورجل المال والإعلام، سيلفيو بيرلوسكوني، وهذا شريكه في ملكية التلفزة التي يديرها، والتي تحولت أخيراً، وعلى إثر إيقافه، إلى محطة للتحريض على الدولة، في مخالفة صريحة لكل القوانين المنظمة للإعلام في تونس. ولكن الرجل يمتلك إمبراطورية مالية، ما زالت سراديبها غير شفافة، وتُحاط بها شبهات عديدة، وقد سخّر ذلك كله، من أجل التحكم في الجميع، كما قال مرّة في تسريباتٍ شهيرة لم ينفها أو يعتذر عنها.
سيظل المتهم بريئاً إلى أن تثبت براءته. ولكن يبدو أن للقضاء حجته في إيقافه، ووضعه على 
ذمة العدالة، وقد تم حظر السفر عليه وتجميد أمواله، ولكن التونسيين يخشون أن تكون هذه الإجراءات التي طاولته هي الحق الذي أريد به باطل، في ظل فرضياتٍ جدّية بشأن معركةٍ تجري بين أجنحةٍ قوية، يقودها بعض المترشحين للرئاسة، مدارها "امتلاك القضاء"، واستعماله سيفاً ضد الخصوم. وقد تكون السيناريوهات عبثية، لو استمرّ إيقاف المرشح نبيل القروي، في ظل فراغات قانونية عديدة، وتم انتخابه بعد نحو أسبوعين. سيكون التونسيون قد اختاروا رئيساً قابعاً في السجن، ليس انتصاراً لنبله بل لوضعيته. استطاع القروي أن يستثمر وضعه وهو وراء القضبان، حين غدا ضحية. الغباء أن تصنع ضحية في سياقٍ يجعله في مصاف الأولياء والقدّيسين. ما كان لهذا المترشح أن يصل إلى هذه المرتبة، لولا استحواذه على آلة رهيبة: إعلام ومال وضمائر استولى عليها بما فاض من عمله الخيري.